المقهى السكندرى .. والدور الثقافى المفقود!!
 

 
حسام عبد القادر

كانت المقاهى بالإسكندرية وستظل حديث مختلف الناس من كل الجنسيات وشواهد لهم فى كتاباتهم ومقالاتهم وإبداعاتهم الفنية بل لقد أصبحت المقاهى وحيا لبعض الفنانين التشكيليين السكندريين مثل عصمت داوستاشى الذى رسم لوحة أسماها "خيالات فنجان قهوة" استوحاها من المقهى السكندرى فحتى علماء الحملة الفرنسية سجلوا دور المقهى فى الحياة بمصر ولنابليون بونابرت جملته الشهيرة حين قال: "ليس من الشرق الأسطورى أو المتحضر من لا يضيع وقته فى مقهى أو يضحى بقليل من عمره فى إعداد المشروب الساحر، وهو يقول أثناء حملته على مصر كان لدى دائما سبع تنكات فوق النار وذلك لكى استعين على الحديث مع الأتراك"..
ولورانس درايل* استخدم المقهى السكندرى فى رباعيته الشهيرة فى فقرات عديدة وكانت محور هام لروايته كجزء رئيسى للحياة السكندرية ، واستخدمها أيضا محمد جبريل فى رباعية بحرى وفى رواية الميناء الشرقية وفى معظم أعماله التى اختصها بالطابع السكندرى لحبه الرائع للإسكندرية بلده.. 
المقهى أوحى برواية
ويحكى محمد جبريل عن المقهى بالإسكندرية فيقول: المقهى بالنسبة لى وسيلة لللقاء بالأصدقاء بالإسكندرية فأنا لست من رواد المقاهى ولا أجلس على مقهى إلا لضرورة وقد لا أجلس على مقهى بالقاهرة بقدر ما أجلس على مقاهى بالإسكندرية وخاصة القهوة التجارية حيث أستطيع أن ألتقى بكل الأدباء مرة واحدة وفى ليلة واحدة أقضيها بالإسكندرية وهى الطريقة الوحيدة لذلك وقد أجدهم هناك بدون موعد، والقهوة التجارية هى التى أوحت لى برواية "الميناء الشرقية"، واستخدم المقاهى السكندرية فى كثير من رواياتى، ولكنى لا أؤمن بتضييع الوقت فى المقهى وأفضل أن أعمل بالمنزل فالمقهى للقاء مهم أو موعد ليس أكثر، وقد تحولت المقهى الآن إلى موضع للنميمة والنيل من الآخرين فى ما لا يجدى 
مما يمتص قدرات المبدعين وتنقلها على أحاديث الغيبة والسخط على الآخرين!!
ومن النماذج التى لم يلتفت إليها أحد بالإسكندرية هى نموذج الكاتب والمفكر الإسلامى الكبير الراحل خالد محمد خالد، وكان الكاتب الكبير من عشاق الإسكندرية ويحب أن يجلس على مقاهيها يقابل تلاميذه ومحبى كتاباته وكان يترك الفندق الفخم الذى يقيم فيه ويجلس مع أصدقائه على المقهى وكان يستمتع بذلك جدا بالإسكندرية لأنه بالقاهرة لا يجد وقتا يجلس فيه على المقهى بينما يفعل ذلك أثناء أجازته السنوية بالإسكندرية يستمتع فيها بهواء البحر على المقاهى المنتشرة على طريق الكورنيش، بل ويكون صداقات جديدة مع مثقفين من الشباب ويلتقى بهم كل صيف فى المقهى ليتعرف على آرائهم وكتاباتهم من نقد ومقالات وقصة وشعر التى كان يستمع إليها بكل اهتمام وكان يقوم بتوجيههم سواء بالنقد أو بخبرته فى الأدب والفكر والسياسة. وقد تكون هذه التجربة التى شهدتها الإسكندرية فى الثمانينات وأوائل التسعينات لم تلق الدعاية الكافية لعدم حب الكاتب الكبير فى الإعلان عنها والدعاية لها لأنه كان يفعل ذلك بحب ومن أجل تواصل أجيال جديدة من الشباب ولم يلق بالا أن هذه التجربة كانت يمكن أن تسجل وتذاع فى وسائل الإعلام المختلفة..!! 
مكان للنميمة والمهاترات
ويقول الأديب سعيد سالم حاليا لا يوجد دور للمقهى فقد انقلب إلى شرب للشيشة سواء من الرجال أو النساء وآخر شئ يهتمون به هو الثقافة والتى لم تعد تأخذ أى شريحة من اهتمامهم وتحولت الجلسات إلى نميمة وكلام خارج ومهاترات وتضييع للوقت وحضرت عدة جلسات لم أنسجم ولكن الميزة الباقية فى المقهى أننا نتقابل كأصحاب وخاصة أننا فى الإسكندرية ليست لنا أى دور بارز فى الحياة الثقافية على مستوى مصر لأن كل شئ يتم من خلال القاهرة وبالتالى أصبحت هذه الجلسات لا لزوم لها غير اجترار الآلام والشكاوى أما زمان فكانت هذه الجلسات ثرية لأنها كانت مع العظماء أمثال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف عز الدين عيسى وكانت تتناول قضايا سياسية واجتماعية متنوعة الاهتمامات وكانت تعمق العلاقة بين الأجيال وتتبنى الأجيال الجديدة ولكن حاليا لا يوجد أى اهتمام بالأجيال الجديدة وأنا أحاول ذلك بجهد شخصى عندما يتصل بى أى شاب ويطلب رأيى فى قصة كتبها فأقرأها وأكتب تعليقى واتصل به لأذكره له. 
حافظ رجب وأدباء الطليعة
أما الشاعر صبرى أبو علم فيؤكد أن المقهى يلعب بشكل عام دورا هاما فى المجتمع المصرى فهو منتدى يلتقى فيه الأصدقاء والمعارف ويحل مشكلة اللقاء فى البيوت غير المناسبة وقد تعود الأدباء منذ القرن 19 على الاجتماع بالمقاهى سواء بصفة رسمية مثل ندوة أدباء الطليعة التى أنشأها محمد حافظ رجب فى الإسكندرية عام 1965 فكانت تعقد جلساتها على مقهى التجارية فى المنشية وكانت تعد فيه الموائد إعداداً خاصاً على هيئة مائدة اجتماعات كبيرة وتقدم فى هذه الندوة القصص والأشعار والدراسات النقدية، وبصفة غير رسمية مثل لقاءات نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم فى مقهى بترو بسيدى بشر طوال الستينيات وحتى منتصف السبيعينات من هذا القرن إذ كانوا يجتمعون فى الحادية عشر صباحا ويلتف حولهم الأدباء القادمون من القاهرة خلال الصيف مثل ثروت أباظة وعبد الرحمن الشرقاوى ومحمود تيمور وعباس الأسوانى وغيرهم من كبار الأدباء كما يلتف حولهم أدباء الإسكندرية الكبار والشباب، وبعد هدم مقهى بترو حوالى 1974 انتقلت الندوة إلى الشانزلزيه بلوران ثم انتقلت إلى البوريفاج بنفس المنطقة وأخيرا بسان استفانو إلى أن انتهت هذه الندوة لأسباب كثيرة وهدم سان ستفانو الشاهد الأخير على هذه الندوة العظيمة، وكانت تعرض فى هذه اللقاءات الأعمال الأدبية الصغيرة وتناقش القضايا الأدبية الكبيرة وتنتقل الخبرات من الكبار إلى الصغار 
وكان مقهى النيل بالمنشية أيضا ملتقى لكبار الأدباء السكندريين فى الخمسينات والستينات مثل أحمد السمرة وعبد العليم القبانى ومحمود العتريس والسقا الشناوى وصالح المصرى وعبد القادر العوا وكامل حسنى ومحمود الكمشوشى وانضم إليهم خلال إقامته بالإسكندرية الشاعر أمل دنقل وكان شباب الأدباء الشباب بالإسكندرية يترددون على هذا المقهى لمقابلة الشعراء الكبار وعرض أعمالهم الإبداعية ومناقشتها.. 
عشوائية الثرثرة فى المقاهى حاليا
أما فى هذه الأيام فيلتقى المبدعون الشباب فى عدد كبير من مقاهى الإسكندرية بصورة عشوائية فتجدهم فى مقهى التجارية وفى الكريستال وعلى مقهى البوابين بشارع طلعت حرب يقضون أوقاتهم فى الثرثرة، كما لم يعد للأسف هناك دورا للكبار بالإسكندرية فرغم أن الشاعر الكبير كامل حسنى يجلس يوميا على مقهى فاروق ببحرى والشاعر الكبير محمود العتريس يجلس يوميا بمقهى الوادى بمحطة الرمل لكنهم لا يتعاملون إلا مع الشيشة أما المبدعون الشباب فلا يتوجهون إليهم ليتناقشوا معهم همومهم الأدبية ويعرضون أعمالهم الإبداعية وهذا تقصير من الشباب الذين يجب أن يتعلقوا بالكبار كما كنا نفعل فى الماضى ويشعرون أنهم جيل لهم أساتذة، وما زالوا يفضلون الثرثرة على الاستفادة من خبرات الكبار، وأنا لا أجلس على المقهى إلا لمقابلة أحد وليس لى مقهى معين أجلس عليه لأننى دائماً مشغول باللقاءات الثقافية فى قصور الثقافة والنوادى وأعود لمنزلى للقراءة لأن الجلوس فى المقهى يحرمنى من هذه المهمة الممتعة.
خصوصية الأدباء انتهت من المقهى
ويضيف الأديب رجب سعد السيد قائلاً: رغم أن عدد المقاهى زاد إلا أن الارتباط بالمقهى قل عن الماضى وذلك لأن المقاهى أصبحت مكانا للعاطلين وليس بها مكان أو مجال لجلسات المثقفين إضافة إلى أن الدخان والشيشة أصبحا هما المسيطر على أى مكان فى المقهى وهما كفيلان بطرد أى شخص يريد أن يجلس بشكل محترم ليناقش أى موضوع ثقافى ويتحاور مع زملائه.. ورغم أن جيلى ارتبط بالمقهى وخاصة حول محمد حافظ رجب فى القهوة التجارية وكذلك فى مقهى لمعى فى شارع الشهداء والذى تحول الآن إلى بوتيكات وكنا نلتقى به دائماً بعد ندوة قصر ثقافة الحرية وكانت جلستنا هناك رائعة توطدت فيها العلاقات الإنسانية وشهدت النقاشات الحامية فى مختلف القضايا الثقافية، وقد تكون الأجيال الجديدة حاليا ما زالت مرتبطة بالمقهى لأنهم ليس لهم مكان آخر يجلسون فيه ويتقابلون به وإنما خصوصية المقهى للأدباء تتضاءلت وكان زمان يمكن أن يخصص ركن من المقهى لنا كأدباء وننفصل عن باقى المقهى تماما إنما الآن فالمقهى ملتقى للمهربين والتجار، وعن نفسى وجدت البديل فى أماكن أخرى مثل اللقاء بالاتيليه والانضمام لنادى اجتماعى رغم أن هذا الحل غير متاح للجميع وإنما يمكن للنقابات أن توفر بديل للمقهى التى تم اغتيالها رغم أنها كانت تلعب دورا هاما جدا فكانت تبعد الآخرين عن المنزل بمعنى أن التزاور كان يتم بالمقهى ويبقى للمنزل خصوصيته وأعرف أدباء كانوا يستقبلون أصدقائهم بالمنزل فكانوا يجدون كتبا مسروقة من مكتبتهم!! ولكن فى المقهى الكل يلتقى دون أى حساسية ويبقى للمبدع خصوصيته فى منزله التى تمكنه من تنفيذ إبداعه كما يريد.
مكان لشرب الشيشة ومشاهدة مباريات كرة القدم
أما الدكتور محمد زكى العشماوى فيؤكد رأى السابقين ويضيف أن المقاهى نفسها اختلفت حاليا عن الماضى كثيرا وليس فى الإسكندرية فقط وإنما فى مصر كلها ولكن فى الإسكندرية الآن تضم المقاهى نوعين من الناس الشباب وهم يجلسون لتناول المشروبات ومشاهدة التلفزيون وخاصة مباريات كرة القدم، ثم الظاهرة الجديدة وهى ظاهرة تدخين الشيشة وفى سن صغيرة والنوع الآخر من الناس هم كبار السن من أصحاب المعاشات وهم يقضون وقتهم فى الثرثرة ولعب الطاولة، لكن منتديات زمان والجلسات الثقافية والفكرية والتى يؤمها كبار رجال الفكر والمعرفة لم تعد موجودة فى المقاهى، ولا يوجد بديل لها إلا من خلال الصالونات الأدبية فى قصور الثقافة وفى الندوات والمنتديات، ففى الماضى كان هناك فرصة كبيرة للتعلم أما الآن فهذا غير متاح فالحياة تجر الإنسان إلى مسئوليات ضخمة وتبعده عن الحياة الثقافية والأدبية بالإضافة إلى أن فرصة التعليم حاليا أقل بكثير وما كنا نحصل عليه فى الماضى أضعاف أضعاف ما يحصل عليه الشاب حاليا حتى فرصة الخروج لبعثات للتعلم كانت فى الماضى أكبر وأفضل، كما أن القليل من الشباب حاليا جاد ويكون نفسه بنفسه ولكن الأكثرية غير مهتمين بالكتاب -المستودع الحقيقى للثقافة- وبالتالى لن يهتمون بأى لقاءات ثقافية فى أى مكان سواء بالمقهى أو غيرها وإنما يرتادون المقهى لشرب الشيشة ومشاهدة المباريات مع الأسف!!.
دعوة لتكرار تجربة داوستاشى
ولابد أيضا من الإشارة إلى تجربة هامة جدا قام بها الفنان التشكيلى عصمت داوستاشى حيث قام داوستاشى بعمل معرض للفن التشكيلى على مقهى خفاجى بالورديان ورغم أن الورديان من المناطق الشعبية بالإسكندرية ودرجة الوعى فيها بالفن التشكيلى ضئيلة إلى حد ما إلا أن ردود الفعل كانت رائعة ويحكى داوستاشى عن تجربته قائلاً : 
لا أؤمن بفن المتاحف والجاليرهات.. فالجمهور العادى لا يقترب منها.. بل لعله يخاف دخولها.. ومع ملاحظتى للمقاهى التى انتشرت فى السنوات الأخيرة انتشاراً سرطانياً فكرت لماذا لا نستغل الأعداد الكبيرة التى تقضى وقتها فى المقاهى لنعرفهم بالفن دون أن ننتظر أن يأتوا هم إلينا لأنهم لن يأتوا.. وهذا ما فعلته فى مقهى خفاجة بالإسكندرية واستمر لمدة عام.. حيث أهديت المقهى مكتبة كاملة ونظمت سلسلة معارض متنوعة.. وكان جمهور المقهى فى البداية غير متجاوب ولكنه تجاوب بعد ذلك وشاهد اللوحات وقرأ الكتب.. وكان لابد للتجربة لكى تستمر أن أتفرغ لها وهذا مستحيل.. وأصارحك أننى كنت أتخيل أن هذه التجربة ستجد صدى فى كل مقاهى مصر.. لكن لم يتجاوب معها سوى الفنان محمد كمال وكررها فى كفر الشيخ.. وأنا أدعو كل الفنانين وبالذات الشباب أن يقوموا بهذه التجربة فستعرفهم بالناس وتعرف الناس بهم.

المقهى السكندرى فى رباعية داريل
* "كانت أولى المصابيح الباردة والباهتة الضوء قد بدأت تضفى ظلامها على الخلفية القماحية للوحة الإسكندرية الرطبة والمقاهى الصغيرة على شاطئ البحر تلقى أضواء فوسفورية باهتة ترتعد فى الهواء الدبق"
"فى نفس اليوم كان رجل غريب يجلس فى الركن المعتاد المحجوز لبلتازار فى مقهى (الأقطار) ويُحتسى عرقى، وهو العرقى الذى كان فى نيته هو بالذات أن يطلبه، كان الرجل يشبهه بشكل غريب مع أن ذلك الشبه كان مشوهاً فى المرآة بتكشيرة كشفت عن أسنانه الشديدة البياض، ولم يشأ أن يرى أكثر من ذلك وأسرع إلى الخارج.
وفى شارع فؤاد أحس فجأة أن الرصيف أصبح رخوا تحت قدميه كالأسفنج وكان قد غاص فيه إلى النصف من جسده عندما تلاشى الوهم، وفى الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم صحا من نوم محموم وارتدى ثيابه وخرج لكى يتأكد من الإحساس القاهر بأن بسترودس ومقهى دوردالى خاليان"
"وفى النهاية تذكر نسيم مقهى صغيرة قديمة فى المكس حيث يمكنه أن يجد بيضا مسلوقا وقهوة. ورغم أن الوقت كان لا يزال مبكرا فقد نهض صاحب المقهى وهو يونانى، ووضع لهما والنعاس لا يزال يغالبه، كرسيين تحت شجرة تين عقيمة فى فناء مملوء بالدجاج ومخلفاتها الهزيلة" 
(كانت هذه مقتطفات من رباعية الإسكندرية للورانس داريل استخدم فيها المقهى السكندرى كجزء رئيسى من الحياة السكندرية)

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان