




















  
|
 |
 |
من غير عنوان |
|
|
 |
|
كان جزء صغيرا مفتوحا من غطاء التابوت ، هللت قسماتى ، منذ
شهور ..أترقب الغطاء فأجده محكما ،كل صباح ، كل مساء
أتفقده فأجده كما هو ، اليوم .. كان الغطاء مزحزحًا قليلاً
، تسرب إلىّ أملٌ كبيرٌ ، لكن كان علىّ إقناع نفسى بأن ما
يحدث لى الآن ليس حلمًا .
أحاول إزاحة الغطاء بقدر يسمح لى بالعبور ، الغطاء ثقيل ،
ثقيل جدا ، لا بل قواى خائرة ، خائرة تماما ، الغطاء ثقيل
، لا بل قواى خائرة ، تتنازعنى الفكرتان ، يميل نصف تصديقى
إلى الفكرة الأولى ونصف تصديقى الآخر إلى الفكرة الثانية
وتظل كفتا ميزانى متأرجحتين !
حول البناية أطوف ، أخترق ظلالها ، إذا كان لجدرانها ظلال
، ثم أعبر بجوار حائط آخر لا ظلال له ، فيظهر ظلى يؤنس
وحدتى ، ويعذب معى بمشقة السير تحت شمس شرسة ، عند الدخول
فى ظلال الجانب الآخر ثانية ، يستقبلنى هواء الظلال فيأخذ
بناصية أفكارى فتذهب ، وأجد نفسى وراءها فى دوران متصل ،
تجفف الظلال قطرات عرقى التى انبثقت من منابت شعرى واتخذت
من منحدرات وجهى وأخاديده مسارب لها .
باب البناية حديدى ..متسع القضبان ، يأذن للنظر بالعبور
والتجوال ، حديقة مهملة ونباتات أعلنت استسلامها لشمس "طرابلس"
الحارقة ، وزهور "الجورى" منكسة الرأس تئن ، حارس البناية
يصرخ فى صمت تحت غطاء الملل الكثيف ، وغبار القهر ، خيل
إلىّ أنه أصبح جزءًا من ديكور المكان ، هاأنت يا كامل تدور
كما تدور الشمس ، حول حارس البناية ، بل البناية وجهتك
وقبلتك ، وهو واقف هناك غير مدرك ، وقفت فى مواجهته وظللت
تترنم :
"يا طير البرق القادم من جنات النخل
بأحلامى
يا حامل وحى الغسق الغامض فى الشرق
على ظلمة أيامى
احمل لبلادى حين ينام الناس
سلامى"٭
سلامى !! ترى إلى من سيحمل طير البرق سلامى ، هناك عند
النهر ، بستان والدى المنمق ، شجيراته المنتعشة ، عبق
الرائحة والسكون
ـــــــــــــ
٭أبيات من قصيدة( وتريات ليلية ) للشاعر العراقى مظفر
النواب ـــ
، جلسة أبى المفضلة ، ترقرق "دجلة " فى الجوار ، تفاصيل لم
أكن أعرف أن الذاكرة تحتفظ بها ، بل عند حدوثها لم تكن
حدثًا جلـلاً
لكنها الآن من الذخائر الغالية ، ارتبط كل مكان فى ذاكرتى
برائحة ، تهب إذا تذكرته ، فهذه رائحة "الحبق" تعبر كما
يعبر سرب فراشات متفائل ، تذكرنى بـ "كرمة على" ، عندما
يلتقى "دجلة" بـ "الفرات" ، التحام يتم فى هدوء ، فى
الجـوار يزدهـر" الحبق "ويورق ، تشرق علىّ رائحة "الوزال"
إذا تذكرت "أحلام" ، شعرها ، قدها ، دلالها ، ما أجمل
الدلال حينما يكون نابعـًا من رغبة ، "الوزال" رائحة أنثى
راغبة ، لا بل "الوزال" رائـحة أحلام ،شبت أمامى فأحببتها
، ،لم يكن الوصال سهلا فراسلتها على " شباك الهواة" ، ذهبت
إلى الشباك بعد أسبوع ، وجدت خطابا باسم "مردوخ "، أدركت
أنه لى ، أخذته ، ألم أكتب على المظروف "إلى عشتار " ،كيف
عرفتنى ؟؟ لما اخترت لها اسم عشتار ؟؟ هل كان أسـم أحلام
مجـرد صدفة ؟؟
قسم والدى البستان إلى أقسام ، كل قسم لنوع من الفاكهة ،
لكل فاكهة موسم ، لا يخلو البستان أبدا ، لكل فاكهة مذاق ،
ورائحة وذكرى..
أبى.... أفيق على صوتى ينادى ، يخرج صوتى بلا صوت ، نبراتى
بلا نبرات ، بكائى بلا دموع ، لكنى رأيته_ أقسم أنى رأيته_
يلتفت إلى جهة الصوت _ من مجلسه هـناك على "دجلة" _ويحدد
على خارطة الوجد ، الجهـة التى هب منها نـسيم صوتى .
إلى حجرتى أعـود ، حارس البناية الأسود _ رفيقى فى بعض
الليالى _يذوب فى معظم الليالى ، ووحدتى تحاصرنى فلا مفر ،
أعود أنقب فى الحجرة عن ورقة ضـائعة تحـمل رقم هاتف أختى "فاتن"
، كنت قد بحثـت عنها فى السابق ولم أجدها !! واليوم أبحث
عـنها ولن أجـدها وغدا سوف أبحث عنها علنى أجدها !!
داعبتنى صديقتى عبر (الإنترنت) قائلة : "حلمت فى الليلة
السابقة أن سندباد وياسمينه وعلاء الدين يطاردون جنود
الأمريكيين فى شوارع بغداد ". غضبت ، أغلقت نافذة الدردشة
فى وجهـها ورحلت .
ذهبت إلى السفارة ،كانت بناءً حيـًا ينبض ، كان ذهابك يا "كامل"
بدون سبب ملح ،الحارس يقف منتصبًا ، والبناية تلقى بظلالها
على الحواف ، الحديقة منمقة بزهور "الجورى" الملونة ،
ونسمة ترفرف العلم ، تلبية لهاتف غير مدرك ، ذهبت إلى موظف
بعينه وقلت له :" أنا كامل يوسف ناصر الخالدى ". أعطاك
ورقة تحمل الرقم ودهشته تقوس حاجبيه ، كان جوّالاً يحمل
كود "سويسرا" أحضره أحد القادمين ، قال له عند إحضارها سوف
يجىء شخص ، يحمل اسم "كامل يوسف الخالدى" ، عراقى من
البصرة ، سلم له الورقة ، وقل له هذا رقم هاتف أختك فاتن .
فى معظم أوقاتى ، يأتينى صـوتها حانــيا ، لا .. قـل
يأتـيك صوتها حانيا ، تحـدث إلى نـفسك كأنك تـتحدث إلـى
آخـر ، لقد انفصلنا ، يحمل صوتها خصـائص صــوت أمـى ،
أسمـعـها تـنادى بطريقتها الممدودة :
كاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااامل
أدور حول نفسى ، يأتينى الصوت من كل جهات الأرض ، ومن
أعماقى .
أضـعت الورقة بنفس سهولة وصولها إليك واندهشت ، ودهشتك
قوست حاجبيك ،كيف يضيع الرقم بعد وصوله إليك بمعجزة ؟؟ لم
تذكر من الرقم سوى كود "سـويسرا" ، و بما ذا يفيد كود "سويسرا
"!!
قادتنى قدماى إلى شاطئ البحر ، كانت هى الساعة التى تتحول
فيها الأشياء إلى بكاء مطلق ، وصمت مصمت ، السكون ستور
مسدلة ، على شاطئ البحر أشعر أنى على حافة الكون ، وأن
قفزة فى الظلام واحدة ستنهى كل آلامى .وأن وأن ، لكن هواء
البحر الناعم يغلبنى ، يجعلنى أتحدث إلى نفسى كأنى أنا ،
يختفى الآخر بداخلى ، يطيل عندى لحظة التردد ، عدت فى
نهاية الأمسية إلى المسكن والحارس يجلس فى ظلام الشارع فلا
يظهر منه سوى ردائه الأبيض وأسنانه .وفكرة القفز مهملة
هناك على حافة الكون .
رأيت فى نفس الليلة هارون الرشيد ومجلس علمائه ، سمعت
حديثهم ، كنت كائنًا غير مرئى ،أريكة وثيرة ، نمارق وزرابى
لكن صاروخًا سقط فى وسط المجلس ، لم ينفجر ، لكنه بدد
الجلسة ، هرب "إبراهيم الموصلى"وسقط "زرياب"، سرق أحدهم
الساعة المائية الدقاقة مع غفلة المهرولين ، قال البرمكى :
" صاروخ "توما هووك "يا مولاى ". فصحح الرشيد له " بل
صاروخ "كروز" يا غبى ". لم يلحظنى الرشيد ، لم يلحظ أحد
مجلسى ، لم يلتفت أى من الحضور إلى ضحكاتى ، إلى بكائى
ونهنهاتى ، فى الصباح غفرت لصديقتى حلمها العابث .
أى قوة تلك التى تختصر المسافات ، تلغى الإحساس المعروف
لدى بنى البشر بالزمن ، فيصبح الحاضر ماضـيًا ، ويصير
الماضى همًّ الحاضر والمستقبل ، والمستقبلُ فى علم الخيال
المطلق ، لا بل الخيال الحبيس ، حبيس جدرانى المظلمة ،
تنتفى الموجودات بكل خصائصها ، ويحل محلها صور الماضى
القريب ،والماضى البعيد ، الماضى الآتى والحاضر الماضى ،
نذر من كثير.
هو أبى ، بملامحه التى تركته عليها آخر مرة منذ عشر سنوات
، وأمي بملامحها الطيبة الحانية ، "كوثر" و"فاتن" و"أحلام"
، أه "أحلام" ،"وزالى" الفواح ، وأنت يا "كامل" محط أنظار
الجميع ، دوما أنت الأمل ، وقد تبعثر أملهم فيك ، تناثر
بعد أن تحطم ، تناثر قبل أن يتحطم ، لم يعد التسلسل
المنطقى للحدث مهـما ، انفصل المنطق عن الأحداث إلى غير
رجعة ، بعد أن قـذفت سـلاحك "الكلاشينكوف" فى عـمق الصحراء
لم يـعد مهما ، مزقت ستـرتك العـسكرية وجـريت فى اتجاه
الفراغ ، دائرة أنت بؤرتها ، أطرافها مرمى بصرك ، كلما
تحركت تحركت ، وظللت دوما بؤرة الفراغ ، لا تلم نفسك اليوم
، عدت إلى المدينة فوجدت أن ما فعلته فعله الجميع ، ترك
الجميع ستراتهم العسكرية فى الصحراء تذكار انهيار ورحلوا ،
ها هى السنوات العشر تتلاشى، وترى نفسك فتيًا ، شاربك أسودً
لم يعبث الشيب به مازال ، وملامحك منبسطة لم يخط الزمن
فيها خطوطه ، وآمالك كبيرة ، وعند خط الدائرة الخارجى تقف
مئات خيبات الأمل منتظرة ، فاغرة فاها ، جائعة فى الانتظار
.
انتشار المار ينز فى الجنوب يشبه حقنة الزيت فى جسدى ،
ينتزعنى الحاضر من أزمنتى ، يفرقنى عن نفسى ، وها هو
التلفاز يجمع شتاتى ، يوحد الأزمنة عندى لفترة مؤقتة ،
إخراج تلفزيونى مصحوبا ببعض الخدع ، الصحراء موحشة عمدا،
المدينة بدائية ، وملابس الناس رثة ، تحتشد الجموع أمام
التلفاز الذى وضعه حارس البناية فى الخارج ، أما نظراتى
فتخلع عن الحاضر حضوره ، وتعبر الشاشة فترى شوارع البلدة ،
ها هو شارع" 14 تموز" ، بقى من ملامحه الكثير، مدرستى ،
متنـزه الخورة ؛ ملتقى شباب الحى ، ناصية تسكعى فى
الأمسيات ، ميدان توسطه صورة القائد بملابس بدوية ، وجوه
حملت نفس ملامحى ، أرانى واقفا هناك ، مكتوف الأيدى ،
معصوب العينين ، لكنى أرى المشهد ، أقسم أنى أرى ، مجردا
من سلاحى ، فى صف طويل ، "جهاد" ابن عمى خلفى ، و"صقر"
جارنا فى الحى أمامى ، لا.. "جهاد" أمامى و"صقر" خلفى ،
وجندى أمريكى منتفخ العضلات ، لا .. بريطانى ، يصوب فوهة
مدفعه إلىّ ، ربما إلى" جهاد" ، بل إلى "ناصر "، هل كان "ناصر"
معنا ؟؟ الفوهة تتسع ، تبتلع "جهاد" ، و"هاشم" و"ناصر" .
" ما نوع هذا المدفع ؟؟"
على صوت سائل أفقت .. ازدادت الصفوف خلفى وجوارى ، توقف
العابرون للمتابعة ، لم يجرؤ أحد على الوقوف أمامى ،
المصيبة تخصى ، والإعلام يبثها لى وحدى ، أجاب آخر :
"مدفع أرنولد شوارزنيغر"
اشتهرت هنا بـ "كامل العراقى "، اختُزل اسم أبى وجدى وجد
أبى واسم عشيرتى إلى " العراقى" ، بوتقة حوت عناصر شتى
متجانسة الخواص فاختلطت ، فى الغربة تصبح الجنسية هى
الهوية والصفة ، يصبح الفرد ممثلا لشعبه وحاملا لملامح
مئات الوجوه ،ربت أحدهم على كتفى وانصرف ، ابتسمت ، لكن
ملامحك لم تنفرج ، لا..انفرجت ملامحى ولم ابتسم ، عقبت على
السائل :
" لا.. بل مدفع جورج دبليو ستالونى ".
رحل السائل ، أما المحروم فبقى ، محروم من الراحة ، أعدت
رؤية مشاهد اليوم ، مشاهد أمس ، مشاهد السنوات الماضية
جميعا ، استعذبت العذاب يا "كامل" ، تجرعته وتعيد اجتراره
، موتور على قوس الغربة ، تائه بين مئات من خطوط الطول
الوهمية ، ودوائر العرض المسلوب .
دفعنى صديقى الحارس فى الصباح إلى الخارج ، حفزنى للبحث عن
عمل جديد ، هون علىّ موقف صاحب العمل أول أمس ، برر طرده
لى ، قال :
"أن الرئيس لا يعنى الطرد بالتحديد حينما يطردنى ، بل يعنى
رغبته فى سماع استجدائى له كى أبقى ".
قال أيضا :
" أنى كنت فظـًا غليظ القلب ".
حينما تشاجرت مع زميلى ، حينما ضربته .
قال :
"أن فرص العمل شحيحة ".
" أن محاولة العودة إلى العمل أسهل من الحصول على عمل جديد".
وأضاف :
" أن اعتذارى لصاحب العمل لن يضرنى ".
شكرت للحارس نصيحته ونقوده التى اقتسمها معى ، خرجت من باب
غرفتى ، استقبلتنى أمى ، سبقتنى كعادتها فى الاستيقاظ ،
ردائها المنزلى مطرز يدويـًا بخيوط ملونة ، (مكرمش) من
آثار نومها مازال ، تزيل آثار سمرنا الليلى من صحن الدار ،
تطوى الحصر ، تجمع أكواب الجاى٭ الفارغة وبقايا حديثنا
هناك ، اندهشت ، نظرت إلى باب غرفتى ، الذى اجتزته منذ
برهة ، كانت غرفتى فى "طرابلس" ، إلى الأمام رميت نظرى ،
كان منزلنا فى "البصرة" ، مازالت نخلتنا تزين الصحن ،
وظلال رطبة يهل هواؤها، فى الليالى القمرية ،كنت أغنى هنا
تحت النخلة ،كانت أحلام تطل من شرفتها ، تغنى بهمس معى :
" يـاما التـَراجي مرجـِحَنْ حسٌك الصافي وغـَفـٌه
ويامـا إسفَحتلـَك باللـيالي إدموع كانت تـرفـه
ويا مـا الدمع ضـَوٌه سواد العين
وعينـــكْ صـَلفـَه "٭
" يمى !!" ناديتها
اتصل حبل نظراتنا ، قالت تحية الصباح المعتادة كأنى بت هنا
، كأن حضن هذا البيت ضمنى فى الليلة السابقة:
"يمى وين نحنا ؟؟
" شنو ها الحكى يا كامل والله إلك خلق تتشاقا".
ـــــــــ
٭الشاى بلهجة أهل العراق
٭أغنية من الفلكلور العراقى
" والله ما أتشاقا يمى".
" والدك قاعد ينتظرك بالشغل ، يدك بيده عيونى ".
"أيش نعمل؟؟ ماكو عمل يمى ، ما تعرفى شنو الحصار؟؟".
"والدك بيريدك وياه حبى ، شنو يعنى حصار ، اسعى يا عبدى
وانا اسعى معك ، دير بالك عيونى ".
" أنا كامل يمى ، من ظابط فى الجيش إلى ميكانيكى سيارات
!!".
" ميكانيكى سيارات خايب.. وين توصلها؟؟
وأكملت :
"انطى لروحك وصبر حالك عيونى ".
يأتينى صوت الحارس من خلف الباب ، يتساءل عمن أحدثه ، أدير
وجهى ، أتلفت حولى أمد له صوتى حبلا فيمسكه :
" أحنا وين خبرنى؟؟
يجيبنى ضاحكا بلهجتى :
"شنو ها الحكى يا كامل ".
قلت له :
"لو سألك زميلك وينك وطنك ، راح تضربه؟؟"
قال لى:
" والعن أبوه".
فقلت:
" ليش يغضب صاحب العمل منى؟؟".
خطوت ، ظهر ظلى وصاحبنى، فألقيت عليه تحية الصباح وعدت
أترنم بباقى الأغنية.
يا حلو يا جَرة كحِلْ
ياحلو يا بوسة سَهَرْ
شيضركْ بكل شتا الولهانْ
لو صحَوة مَطرْ
والشته كله تعده كله تعدة
رفض صاحب العمل عودتى ، تراءت لى دائرة الصحراء الشاسعة ،
أنا بؤرتها ، أجرى فى فراغها غير واصل ، ها هى المقادير
تترى ، تجد عمل _بعد مشقة _فى الصحراء الكبرى يا "كامل" ،
كل صحراوات العالم متشابهة ، وكل خيبات الأمل أيضا ، ورشة
تصليح سيارات ملحقة بمحطة بنزين على طريق ليبيا _تشاد ،
مكان ملائم تماما كى تجتر عذابك ، تحت وهج الشمس تقف تنسج
من خيالك سرابا ، خلعت بذلتك ورميتها بكل ما تملك من قوة ،عدت
مدنيا ، لكنهم رفضوا أن يتركونك وحالك ، أن تبدأ من أول
الدرج ، أن تختار الطريق ، أصبحت مطاردا منهم ومن نفسك ،
سلطوا عليك أصدقاءك ، جيرانك ، وأهلك ، اتسعت دائرة التصحر
كثيرا ، أرانى فى صحن المنزل ، أمى واقفة تبكى وأبى يصوب
نظراته تجاهى بعطف مطلق ، و"فاتن" و"كوثر" ، وكلماتى تنزلق
من فمى باتجاه الفراغ :
"يعوض عليك الله يبى دفعت فلوسك حتى أصير ظابط ، لكنى صرت
مطارد!!".
"ابنى الله يخليك لا تاخذ الأمور بها الشكل .
"لا بابا ما اريد أكون ظابط".
"دير بالك ..الى كاتبه الله راح يصير" .
من "البصرة" إلى "سوق الشيوخ "، ومن "النجف" إلى "ذى قار٭
"، تدور حول المدن ولا تدخلها ، "بغداد" تراودنى كمياه
العيون الباردة ، من ضابط فى الجيش إلى فنى سيارات ، من "الفلوجة"
إلى "الرمادى "من "واسط" إلى "الرطبة" ، ومن فنى سيارات
إلى مطارد ، من "الرمادى" إلى "الأردن "، ومن "الأردن "
إلى المجهول، تبدل سيارات الأجرة ..تبدل هيئتك ..تبدل
لهجتك ، تطبع مشاهدك الأخيرة على ذاكرتك مؤن زاد ، مـدرك
أن أيـام
ـــــــ
٭الناصرية
الجفاف مقبلة وممتدة ، أوغلت فى الغربة يا "كامل "، الغربة
زمان ومكان وشعور ، تبدلت الدائرة ، صارت دائرة الغربة
مترامية الأطراف تلفك ، زمانك غيوم تقطر وحشة ، وشعور
متأرجح يقودك ، مصلوب على الجهات الأربع ، موثق إلى ملفاف
الأيام الدائر ، مستعذب عذابك .
تعود منهك القوى آخر اليوم إلى نفسك ، حارس البناية يتكفل
بإعداد طعامك ، يحاول أن يأخذك من عذابك " أقدره لكنى لا
أستطيع ".هذا ما تردده على نفسك ، يتركك فى النهاية على
راحتك ، تجدك "أحلام" وحيدا بعد أن يذهب الحارس فتجىء ، لا
بل تذهب إليها ، تدخل إلى منزلك فى "البصرة " فتهب رائحة (مكبوس
اللحم )، أعدته "أحلام" لأنك تحبه ، لأنها تحبك ، لونته بـ
"كركم الكارى" و"الزعفران "، زينته بـ "اللوز "و"الفستق "،
يصل إلى سمعك صوت الراديو ، فتهرب "أحلام" ، صوت "رامسـفيلد"
مصـحوبا بمترجم :" على سوريا أن تكف عن إرسال الأسلحة إلى
العراق ". هل تحتاج العراق إلى أسلحة أيها الغبى !! تتبخر
رائحة (مكبوس اللحم ) ، ما نحتاجه أهم من الأسلحة وأكبر/
خيم حزن على حفل تسليم جائزة "الأوسكار" ، يتبعثر "الفستق"
و"اللوز" ، أغوص فى دوائر مفرغة ، فوهة بئر لا قرار لها /
القوات الإسرائيلية أعادت الانتشار فى عدد من البلدات ،
تتلون الصور بلون "الكركم" و"الزعفران" / شاحنة مصرية تحمل
الدواء فى طريقها إلى الحدود العراقية !!!يطوى منزلى فى
البصرة كما تطوى الآلام ، تنتصب الحقيقة عارية من أى أحلام
، حجرة ذات أثاث بسيط مظللة بسماء "طرابلس" الليلية ، حارس
البناية فى الخارج يتسلى بسماع أنباء الحرب دائمة التغيير،
وصوت المذيعة يهب حينا ويذهب حينا آخر وفق تعطف موجات
الأثير : استهدف القصف سوق النصر بحى الشعلة ؛ طال القصف
مدنيين / فلاح عجوز يسقط أباتشى / المظاهرات تجتاح شتى
عواصم العالم .
على موجات أثيرى الخاصة جدا تستطيل روحى ، تذهب بعيدا ،
عند كورنيش "دجلة" ، أعرج يمينا إلى المنطقة الأثرية ،
منازل قديمة يصل إليها الزائر عن طريق جسر ، المنازل جميلة
المنظر محلاة (بشناشيل)٭ بديعة ، ونوافذ ملونة ، تبعثر
أشعة الشمس فى تشكيل خلاب إذا ما تسللت إلى صحن الدور ، عد
يا "كامل" ، لا داع لما
ــــــــ
٭زخارف
تفعله ، سوف تفيق بعد قليل لتجد نفسك حبيسة جسدك ، فى ذاك
المكان قابلت "ورد" و"جهاد" ، تشاورتم فيما يجب عليكم فعله
إزاء موقف القيادة بغزو الكويت ، حذركم قائد الكتيبة من
التخاذل ، أى فعل مخالف سيقابل برد فعل عنيف ، صُوّرت لكم
الفعلة كنزهة (سفارى) صغيرة ، وصور لكم الرفض نوعًا من
الانتحار ، لكنك عقدت العزم على الرفض ، على الهرب ، حتى
لو انتهى أمانك بعد هذه اللحظة ، عقدت العزم على ألا تدخل
"الكويت" غازيا مهما كان ، تخليت عن أحلامك وأحلام أهلك ،
لا تلم نفسك يا "كامل" ، لم تستطع العبور ، وصلت إلى نقطة
الحدود وعرقك يتصبب غزيرا
، تباطأت خطواتك إلى أن وجدت نفسك فى نهاية الركب ، لم
يكـن صعبا التوقف ، لم يلحظك أحد ، الكل مشغول بنفسه ،
مقدم على فعل لم يكن له بداخله صدى سوى الخواء ، كان
الجميع مغيب ، رُبط الجميع( بمجنـزة) لا تملك فكرا، صوت "رامسفيلد"
يعيد على خاطرى مشاهد سابقة ، لا.. يعيد على خاطرك ، لقد
انفصلت عنك منذ زمن ، عليك مواجهة نفسك بمفردك ، تعاد
النشرة على رأس الساعة ، الحجرة كما هى ، وأنت اثنان ، لا
بل ثلاثة .. خمسة .. عشرة ، شعورك يتبدل كل لحظة ،" أحلام
".. أحبك ، لا بل تحبها ، لا تجمعنا فى واحد ، لا تقل على
لسانى ما لم أقله ، كان جمالُك رائقًـا فى ثوب زفافك
الأبيض ، ليلة جميلة فى فندق الخليج ، على ضفاف دجلة ،
بِزَّتى بنية اللون زاهية ، حى الشعلة ، سوق النصر ..لا ..سوق
الشعلة فى حى النصر ، تواريت عن عيون الفرقة وخلعت بذلتك
العسكرية ، عواصم العالم تجتاح المظاهرات ، قذفت سلاحك
بأقسى قوة ، واندفعت تجرى ، أة .........!!.
" أحلام أمانة فى رقبتك ".
"اهتم بها ".
هذا فقط ما قاله لك أبوها ، لكن دموعه تلألأت ، لم تقل
شيئا ، ربت على كتفه وقبلته، ،( أباتشى) تسقط عجوزا، التف
"جهاد" و"ورد" و"ناصر" حولك ، و"أحلام" هناك تدعى الخفر ،
عند أول منحنى عرجت فابتعدت عن الفرقة تماما ، وكان على
الفرقة أن تعبر بدونك ، خروف من قطيع ، مازالت الأخبار
تذاع : على الأسلحة أن تكف عن إرسال سوريا . عند عودتك إلى
المنزل انكمشت تتابع ما فعله القائد بك وبالجميع ، صارت
الفعلة عِلْكة لا تذوب فى فم محطات الأخبار ، أردت أن
تعلنها للعالم بأسره " لم أشـارك فى الفعلة " . ماذا حدث
؟؟ ماذا فعلت بنفسك يا شقى ؟؟بدأ الجميع فى مطاردتك ،
تكبدت رحلة لا أول لها ولا آخر ، ألف وتسعمائة كيلومترا
عبر الصحراء العراقية ، تدور حول المدن ولا تدخلها ، محرم
عليك دخولها ، مغير معالم وجهك بشارب مستعار ، بملامح
مستعارة ، قلبك كسير ودموعك ترفض الهطول ، تخشى إغماض
عينيك كى لا يفوتك من المشاهد مشهدا ، "أحلام" آخر من رأيت
، خلعت آية الكرسى من رقبتها وعلقتها فى رقبتك ، طوق آمان
من شرور الطريق ، أنت غريب الآن فاطمئن ، بمأمن من شرور
الطريق ، تحدث نفسك بضمير آخر ، بعدة ضمائر فى آن ، لا
يكون المرء ضابطا إلا فى وطنه ، ها أنت بعيد فاسترح وقر
عينا .
كيف ترتاح وبينك وبين راحتك آلاف الكيلومترات ، كيف ترتاح
وعيونك معلقة على شاشة التلفاز وأذنيك إلى محطات الراديو ،
أه ... كيف يصبح القتلى أرقامًا تذاع فى ذيل النشرة !!
تهفو إلى العودة ، إلى بسط الطريق الذى طويته من قبل ، كيف
تصبح حضارة شعبنا فى لحظة خبر كان ، كان .. أصبح .. صار ..
، صور المتحف الخاوى نصل يسلخ ما بقى ، جيبى الخاوى ،
السفارة بناية هامدة ، مقفل طريق العودة السهل ، الشرعى،
أه يا "أحلام "..يرتعش قلبى لذكراك ، ويـُجبر كسرى إذا
تذكرت الوطـن ، نشـر اللصوص تمثال "نبو خذ نصر" ، سرقوا
رأسه ، تركوا جسده ليذكرنا بالفعلة ، ثـأر قــديم ، "مردوخك
" هنا لا حول له ولا قوة ، لا أستطيع أن أعدك بإعادة رأس
التمثال ، الشمس حارقة على طريق تشاد _ ليبيا ونقود العمل
بالكاد تكفى ، وحارس البناية ، والعجوز ، والأباتشى ، لا
.. لا دخل للعجوز بما أنا فيه ، السيارات المارة تحرك ستور
الهواء بعنف ، العمل ضئيل إذا انتصف النهار ، إذا تقزم ظلى
ووطأته قدماى دون قصد ، الأخبار شهقة رمح ،عمود دخان يتكثف
ثم يتلاشى ، تقدم القوات الأمريكية صوب بغداد / قوات
البشمرجة تستعد فى الشمال / غارة على حى المنصور تستهدف
اجتماع عاجل للقيادة /الصحاف: سنعالج الأوغاد بطريقتنا ،
العلوج ، الأذناب ، الطراطير / تأهب اللاجئون للعودة من "الأردن
"و"الكويت" / "بوش" سيدلى بتصريحاته عقب الانتهاء من
مداعبة كلبيه فى حديقة البيت الأبيض. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|