 |
|
حسام عبد القادر |
عزيزى القارئ:
هل تعلم أن التجار العرب هم
مبتكرو الأرقام التسعة، وأنها انتقلت إلى الهند منهم –قبل الإسلام
بكثير- نتيجة للصلة التجارية البحرية بين العرب وشبه القارة الهندية
عبر بحر العرب والخليج العربى؟
هل تعلم أن العرب هم الذين ابتكروا الصفر فى وقت لاحق، فانتقل منهم
أيضاً إلى الهند وكذلك إلى أوروبا؟
وهل تعلم أن الأرقام العربية تحورت عبر الزمن والمسافة الجغرافية إلى
صورتين من الأرقام، واستمر العمل بالصورة الغايرة منها (الغبارية) فى
المغرب العربى ومنه انتقل إلى أوروبا عبر الأندلس وصقلية، فيما ساد
استعمال الصورة المتحورة منها فى المشرق العربى إلى يومنا هذا؟

كل هذه المعلومات قام بدراستها وعرضها الباحث لطفى عبد الحليم فى كتاب
هام صدر حديثاً بعنوان: "أصل الأرقام العربية" ويقول المؤلف إننا كعرب
الهوية وفى سعينا الجاد للإصلاح الذاتى مشتملاً فيما يشتمل على
استعادتنا لوقارنا الأممى والاعتراف بدورنا الحضارى الذى نهلت منه معظم
البشرية وفى طريقنا هذا تتعالى من حولنا صيحات الكارهين والمعادين
للعروبة والإسلام بالكثير من الافتراءات الباطلة والمزاعم المغرضة،
وسبيلنا للصمود أمام تلك الهجمات وردحها يأتى –فى رأيى- أولاً برأب
الصدع الذاتى فى دواخلنا واحترامنا لهويتنا وقوميتنا، ومن هنا تأتى
أهمية هذا البحث الذى يصحح مفهوم وإنساننا العربى لهويته، ويدعوه
للتماسك والتمسك بها حتى يستطيع أن يمضى فى طريق إصلاحه لذاته وحياته
الخارجية
وهذا الكتاب فى إثباته أصالة عروبة أرقامنا المشرقية، وتقديمه الدليل
على رجحان أخذ الهند للأرقام من العرب فى الأصل، وإثبات أصالة عروبة
الصفر كابتكار حسابى من جهة أخرى –عبر رحلة عبقة من تاريخ العرب
المجيد، زاخرة بالمعرفة- يستند إلى خمسة أوجه من البراهين: تاريخية
ومخطوطية وتحليلية وجغرافية ومنطقية.
ويبدأ لطفى عبد الحليم كتابه بمجموعة من التساؤلات:
هل حقاً أن أرقامنا العربية المشرقية هى أرقاماً هندية؟ وهل حقاً أن
العرب لم يكونوا سوى ناقلين للأرقام الغربية التى علموها للغربيين بعد
أن تعلموها من الهند؟ وهل حقاً أن الصفر هو ابتكار هندى لاحق اقتبسه
العرب كما اقتبسوا الأرقام التسعة من قبل؟
والإجابة بكل وضوح على كل هذه التساؤلات هى: لا ليست الأرقام المشرقية
بأرقام هندية وإنما هى صورة شقيقة متحورة من الصورة المغاربية التى
انتقلت إلى أوروبا، والصورتان تعودان لأصل غابر واحد عربى أكثر من كونه
هندى، وأن الصفر كذلك هو ابتكار عربى أصيل تعلمه الهنود كما سبق لهم أن
تعلموا الأرقام التسعة من العرب وليس العكس
أما متى كان ذلك فيجيب لطفى عبد الحليم قائلاً أن ذلك حدث فى وقت مبكر
من التاريخ قبل الإسلام من خلال التجارة البحرية مع الهند عبر بحر
العرب والخليج العربى، وقد لعبت التجارة البرية عبر شبه الجزيرة
العربية خاصة رحلتى الشتاء والصيف دوراً فى إيصال الأرقام والصفر
العربيين شمالاً، غير أنه لم يكن إيصالاً عميقاً
وهنا يثور التساؤل: لم استعمل العرب إذا صورتين من الأرقام؟
لم يقصد العرب استعمال صورتين من الأرقام، فالصورتان نشأتا من أصل واحد
ثم تحور أحدهما ودرج فى المشرق العربى، بينما لم يتحور الشكل الثانى
كثيرا فى المغرب العربى والأندلس، ثم انتقل الشكل العربى المغربى
للارقام إلى أوروبا عن طريق الأندلس بشكل أساسى عبر ما تأسس فى الأولى
من دور علم عربية (أشهرها جامعة قرطبة) التى كان يفد إليها الدارسون من
أوروبا، وعبر الثانية التى مثلت -إضافة لموانئ إيطالية أخرى- بوابة
العرب التجارية والحضارية مع أوروبا.
إن تاريخ الأرقام العربية وأصلها هو منهل أدلى فيه العديد من المجتهدين
أو الباحثين شرقيين وغربيين بدلاتهم دون أن يظفر الأكثرية منهم بصحيح
الخبر أو على الوجه الأكمل بل إن كثرة ربية تعمدت عدم إنصاف العرب-
كراهة للعرب والإسلام أكثر منه حباً وإنصافاً للهنود، بل منا –نحن
العرب- من لم يصل أصلاً لقناعة أن الأرقام التى انتقلت إلى أوروبا
وسائد العمل بها إلى يومنا هذا هى أرقام عربية الأصل، كما ذهب إلى ذلك
القرار الثالث للمجمع الفقهى بمكة المركمة والمنشور على الشبكة البينية
(الإنترنت) من أنه يثبت أن الأرقام المستعملة فى الغرب أرقاماً عربية،
وكذلك خلافاً لما جاء فى ندوة "الأرقام العربية.. قضية وهوية" التى
عقدتها الجمعية المصرية لتعريب العلوم جامعة عين شمس
ومن الفرضيات ما ذهب إلى أن الأرقام العربية (المغربية) التى انتقلت
إلى الأوروبيين فعلاً عن العرب ويعمل بها للآن (مع شئ من التحور فى
الشكل كأمر طبيعى) هذه الأرقام ابتدعها العرب على أساس عدد الزوايا
المنحصرة فى ثنايا كل رقم بحيث يعبر عدد تلك الزوايا عن المقدار الذى
يمثله الرقم.
ومن الناس من زعم أن محمد ابن إبراهيم الفزازى (مات 796م) هو من أدخل
الأرقام الهندية إلى بلاد العرب، ومنهم من زعم أنه محمد ابن موسى
الخوارزمى (مات بعد 846م) فمن زعم أنه محمد ابن أحمد البيرونى
(972-1048م)، إلى من زعم أنه أبو الحسن ابن الهيثم (965-1039م) أو أن
المحدثين من عرب ومستشرقين أوّلوا خطأ قول المؤرخين ورجال العلم
المسلمين على هذا الأساس، فالحقيقة من وجهة بحثنا أن مبتكر الأرقام
العربية إنما هم التجار العرب، والبرهان على ما نورد يقع فى أنواع
خمسة: منطقى، وتاريخى، وجغرافى، وتحليلى، ومخطوطى. وقد راعينا فى عرض
هذا الكتاب تجميع الحواشى ذات التفاصيل العميقة التخصص فى نهايته سعياً
لإيصال مضمونه بشكل مستساغ للقارئ العام قدر الإمكان.
الأرقام المشرقية عربية لا منقولة من الهندية:
ليس البَيْرونى (ولد 362-ومات440هـ، 972-1048م) بناقل لأرقام هندية إلى
العربية، فمما يُستشهد فيه بالبيرونى أنه كتب ما معناه: "فيما نستخدم
نحن (العرب) الأحرف للحساب وفقاً لقيمها العددية، فإن الهنود لا
يستخدمون الأحرف مطلقاً فى الحساب، وكما تختلف صورة الأحرف التى
يستخدمونها فى الكتابة – عن بعضها البعض- فى المناطق المختلفة من
بلادهم، تختلف رموز الأعداد كذلك"
وهذا القول غير صحيح من البيرونى وخاصة أنه سبقه فوق الثلاثين من علماء
الرياضيات من العرب والمسلمين ألفوا فى الحساب والفلك والبصريات قبله
بسنين عديدة بدءا من الحسن ابن الهيثم (توفى 430هـ) ونزولاً إلى قرة
ابن ثابت (توفى 288هـ) حتى محمد ابن موسى الخوارزمى (توفى: 232هـ)
وحتماً أن هؤلاء كانوا يستخدموا فى مؤلفاتهم أرقاماً صريحة فى الترقيم
لا الحروف الأبجدية، بل ومن مؤلفاتهم ما درس فى أوروبا بعد ترجمتها
حافرة أسماءهم لدى الأوروبيين فى الرياضيات والفلك والبصريات وساهمت فى
تعريف الأوروبيين بالأرقام العربية، فأى أرقام استعمل هؤلاء فى
مؤلفاتهم التى انتقلت إلى أوروبا؟ وأى مبرر إذا يدعو البيرونى لنقل
أرقام الهنود إلى العربية أو حتى القول بأن العرب كانوا –فى حياته-
يستخدمون الأحرف الهجائية للحساب، والأرقام العربية المألوفة موجودة
بين أيدى من سبقوه طبقوها بنفس السلاسة فى الاشتغال بهذا أو ذاك من
العلوم؟
ويقولون أيضا أن البيرونى كتب ما معناه "أن من نستخدمه (نحن العرب)
للأعداد هو نخبة من أفضل الأرقام وأكثرها انتظاما فى الهند"
وهو كلام لا يقبله العقل ليس لهذا فحسب، ولكن أيضاً لأن من يفترض أنه
–جدلاً- نقل الارقام الهندية إلى العرب سواء أكان هذا الناقل فرداً أم
كوكبة من الأفراد (لجنة بتعبيرنا المعاصر) وسواء أكان رجل علم أو رحالة
ما الذى يجعله "يشكل" من صور الأرقام المستعملة فى الهند "نخبة" لكى
يستعملها العرب!؟؟ هل حرصاً على إرضاء جميع أبناء العم من الهنود! أم
سعياً لفتح الشهية وتسرية النظر كما لو كان يجلب أطعمة أو جواهر!
خاصة لو علمنا أن البيرونى نشأ فى بيرون (أوزبكستان حاليا) وقضى عمره
كله متنقلاً بينها وبين إيران وأفغانستان وشبه القارة الهندية، ولم تطأ
قدمه بقعة من الجزيرة العربية مما لا يدع مجالاً للشك أن الغربيين
ترجموا كلامه خطأ.
هذا وتبقى هناك جملة أسئلة تبحث عن إجابة إذا صح نقل العرب للأرقام
الهندية، فالحضارة الفارسية والتى قد يصح وصفها بأنها كانت امتداداً
وعمقاً للحضارة الهندية أو حتى توأماً لها، والتى امتد تأثيرها للعرب
حتى فى لغتهم بعدد من المفردات ككلمة "هندسة" وأصلها "اندازه"،
و"دستجة" ومعناها "الحزمة" أو "دستة"، فأين كان مكان الحضارة الفارسية
من الأرقام وكتابة الأعداد؟ بمعنى ما هى الأرقام التى استعملوها وإذا
كانت هى إحدى صور الأرقام الهندية –وهذا هو المرجح- فما الذى منع
اقتباس العرب منها أو نقلها مع كلمة هندسة وهو علم رياضى، ثم بماذا
يفسر انتقال الحرف العربى (بخطه الفارسى) وأرقامه العربية المشرقية إلى
من اعتنق الإسلام من أعراق هندية –فضلاً عن إيران نفسها- يكتبون به
لغاتهم كلغة "الأوردو" Urdu (الهندى Hindi) ولغة (اليونجاب Punjab) وهم
يكتبون بها إلى يومنا هذا ويحافظون على كتابة رقم الاثنين هكذا (2)
أكثر مما نحافظ نحن عليه اليوم مما يؤكد أنها –أى الأرقام العربية-
بدأت فى التبلور إلى هذا الشكل قبل الإسلام ولكن لم ينشرها علم من علوم
الرياضيات كما حدث بعد الإسلام، ولو أن هذه الأرقام هى هندية بشحمها
ولحمها لاتفقت وتطابقت فى الشكل مع الأرقام السارية فى أى خط أو طريقة
كتابة من الكتابات الهندية.
ومن تاريخ نشأة الأرقام العربية فى المشرق يورد الباحث ملاحظات هامة
منها: أنه سبق للعرب –كما فعل اليونانيون وغيرهم- أن استخدموا رموز
حروفهم الأبجدية فى العدّ، وهو النظام المعروف بحساب الجُمَل- وحتى هذا
تفاوت ترتيبه فى المشرق العربى عنه فى مغربه، كما أن استخدام الحروف
اليونانية كرموز للأعداد فى كتاب أوراق البردى العربية وفى ترقيم صفحات
الكتب العربية التى استنسخها الأقباط فى مصر جاء كأثر من آثار الإدارة
اليونانية القبطية فى مصر لا لغياب الأرقام العربية والإنسان يعمل
لتطبيق ما ألفه
أيضا استعمل العرب أسلوباً من الترقيم عرف ب"الديوانى" وكان يُستعمل فى
القسم الشرقى من العالم الإسلامى فى كتابة التواريخ وغيرها من أعداد فى
المخطوطات الديوانية، ويتكون من مختصرات أسماء الأرقام، وطبعاً لم تكن
حروف الهجاء نفسها لفترة من الزمن قد عرفت النقط ومن الواضح أيضاً أنه
لم يكن هناك إلتزام أو انتشار للكتابة بالأرقام العربية من قبل كل
العرب فى البلدان العربية، وأن كثيرين بقوا يكتبون الأعداد بما ألفوه
وشبوا عليه سواء أكان ذلك نظاماً عربياً بائداً كاستعمال الأحرف
الهجائية أم كان نظاماً يونانياً لمجرد الترقيم وليس فى الاشتغال
بالأعمال الحسابية- تجارية أو علمية.
وقد عُرف الشكل المغربى للأرقام العربية بـ"المغاربية" وهذه اللفظة
يغلب أن تكون تحريفاً إما للفظة "المغاربية" أو "الغابرة" بمعنى
القديمة وهو الأرجح، أما تأويلها على أساس أن الأرقام كانت تكتب على
لوح من الغبار فهو تأويل ساذج، لأنه لو كان الأمر كذلك فكيف كانت تكتب
الحروف الأبجدية أعلى لوح من الغبار أيضاً أم على وسط كالورق باستخدام
القلم، إن كتابة الحروف الأبجدية لم تكن بالقطع تأخذ طريقة مختلفة عن
كتابة الأرقام العددية ولكن كتابة الحروف العربية فى المغرب العربى لم
تُعرف بالغبارية مما يؤكد أن إطلاق هذه الصفة على الأرقام لا علاقة له
بالغبار.
وقد يتبادر للمتفحص –لأول وهلة- أن الأوروبيين هم الذين أخذوا أرقامهم
عن الهندية، أما هذا فغير صحيح لسبب بسيط هو أن خروج الأوروبيين إبان
عصر النهضة والكشوف الجغرافية عبر المحيط ووصولهم إلى شبه القارة
الهندية تم بعد عام 1490م (اكتشاف كولومبس لأمريكا كان عام 1492م) ومن
ثم لم تسبق لهم صلة حضارية أو تجارية بالهنود قبل ذلك التاريخ المكتوب،
فى حين أن صلة العرب بهم منذ وقت مبكر من الجاهلية العربية إضافة إلى
أن فتح الأندلس بدأ فى عام 714م. |