"سارة طالب السهيل" وصرخة الإنتماء إلى بغداد

 

 
جابر بسيونى

 ولدت "سارة طالب السهيل" لأب عراقى، هو الشيخ طالب السهيل، شيخ مشايخ قبيلة بنى تميم الواسعة الامتداد بالوطن العربى، وأم لبنانية.
وهى من مواليد الأردن وتخرجت فى مدرسة الراهبات الوردية، ثم أكملت دراستها بجامعات لندن – قسم الأعمال والتجارة- وقد ظهرت ميولها الأدبية منذ الطفولة واتجهت للتعبير عنها فى أعمالها القصصية التى وجهتها إلى الطفل وقد صدر لها: 1- سلمى والفئرات الأربعـة، 2- قمة الجبل، 3- نعمان الأرض الطيبة، 4- أعياد الميلاد.
ويجد القارئ لها أنها نجحت فى أن تُشركَ كلَّ طفلٍ فى قضايا الإنسان المعاصر بما قدمته من مواضيع حياتية مؤثرة، قُدِّمتْ للأطفال فى شكلٍ مُيسَّرٍ، سهل المفردات، واضح الجمل، عميق الفكرة دون غموض
وبجانب كون "سارة" كاتبة أدبية تجيد الكتابة إلى الأطفال، فهى أيضا شاعرة وقد صدر لها ديوانين هما: "صهيل كحيلة عام 2000" و"نجمة سهيل عام 2002"
وتتمتع الشاعرة فيهما بحس شعرى ذاتى مهموم بقضايا الوطن الأسير "العراق" وقد تعدد تناولها لصور هذا الهم من خلال قصائد متنوعة لم ينقصها سوى صحة الأوزان العروضية فى كثير منها.
وفى عام 2005 صدر ديوانها الثالث بعنوان "دمعة على أعتاب بغداد" وفيه يلمس القارئ صدق انتمائها إلى بلدها الذى يئنُّ –الآن- تحت وطأة الاحتلال وما زرعه فيه من أحقاد وفُرقةٍ وتمزق.
وتقول فى قصيدة "ضراعة إلى بغداد":
دقّت نواقيس الخطرْ
والساقيات الغابرا
الشمس غاب شمسها
النهر، بل نهران عا
والغيم ينذر بالشرر
ت تلوحُ أعلى المنحدرْ
والنجم، وانشق القمرْ
دا كالهشيم المحتضرْ

وتقول:
بغداد عادت غابةً
بحر الدما يجرى وما
الوحْش أرأَفُ من بشرْ
فى جرْيه من مُستقرْ

ويشعر القارئ بعد قراءة هذه القصيدة وكأنه قد فرغ من تشييع جنازة، وقد أحسنت الشاعرة صياغة هذه الجنازة شعراً، فالمُشيَّع هو "بغداد" والمُشيِّع هو كل منتم لترابها ونهرها وشمسها وقمرها، ونجحت – أيضاً- فى أن تأتى بهذه القصيدة على وزن مجزوء بحر الكامل (متفاعلن متفاعن.. متفاعلن متفاعلين) التى سَرَّبت حركاته الوفيرة فى نفس المتلقى مشاعر الشجن ووخزات الحزن، كما أحسنت اختيار القافية المقيدة وهى تسكين حرف الروى "الراء" لكى يعطى الدلالة الفنية على توقف مسيرة بغداد، بالإضافة إلى حُسن رسم الصورة الفنية الموحية فى قولها: بحر الدما يجرى وما فى جرْيه من مستقرْ
ولبغداد فى نفس الشاعرة عشقُ أبدىٌّ ويتجلى ذلك فى قصيدتها "مونولوج ليلة ميلادى":
" أذكرى بغداد والليل سكونْ
والمغانى الساهرة
أذكرى النخْل وأرْباض الرشيدْ
والمجالى العامرةْ
أذكرى دجّلةَ والمجْد المشيدْ
أذكرى الأبَّ الشهيدْ "
قد تعددت ملامح بغداد ومفرداتها فى هذه القصيدة وضمنتها الشاعرة حسرتها على اغتيال والدها بيد أعداء الوطن العراقى.
ويلمح القارئ أنها قد لجأت إلى التقرير أو المباشرة وما كان ذلك إلا لمصابها الجلل فى فقْد أبيها وهى طفلة صغيرة فلا مجال لديها للتلميح أو المواربة باستخدام الأساليب البلاغية البديلة بل لا شئ يُعبِّرُ عن قمة مأساتها سوى التصريح
وهى تؤكد على قيمة والدها الشهيد، وأنها لا تستطيع العيش بدونه، ويتضح ذلك فى قصيدتها "شهيد":
" فى باطن الميلاد والممات
والوعْد والوعيد
فى باطنى: الشهيدْ "
وفى الديوان صور كثيرة تعكس لنا مدى عِشْق الشاعرة لوطنها "بغداد" وعمق انتمائها له، وهى صورٌ جعلت من قارئ الديوان مشاركاً إنسانياً مطالباً بنُصرةِ بغداد وعودة أغانيه الخضراء الآمنةْ ويتجلى ذلك أيضاً من خلال انتماء الشاعرة لأبيها إنتماءً وجدانياً تفجرّ فى وجدانها وعبّرت عنه بقصيدة جيدة جاءت من بحر الحنيف مستهلة إياها بتضمين الشطر الأول من أحد الأبيات الشاعر أبى العلاء المعرى وتقول فيها:
" عّللانى فإن بيضَ الأمانى" حلّلتها مواجع الأحزان
جَمَدَ الدمْعُ فى عيونى لّما غاب عن أفقنا ضياءُ الأمانى.
وفى قصيدة "مونولوج ليلة ميلادى" كشفت الشاعرة عن عشقها لوطنها العربى من خلال حبها لبلدها الثانى مصر وتقول فيها:
يلتقى النهرانِ.. نيلٌ وفراتْ
يلتقى العقلانِ.. علم وصلاةْ
يلتقى الطبعانِ.. عشقُ الفنِّ والليلِ وأحلام الحياةْ
هكذا قال أبى..
ليلة النجوى، وموج الذكرياتْ
فى بحور الذاكرةْ.
وأهم ما يتسم به ديوان "دمعة على أعتاب بغداد" هو الصدق الفنى فى التعبير عن مشاعر تتوق إلى الوطن والأهل والذكريات الجميلة، وهى مشاعر تمتدُّ ولا تنتهى، وتتجدّد ولا تذبل، فهى مشاعر منتمية والإنتماء باقٍ لا يموت.

 

 

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان