|
فى 21 يونيو عام 1956 احتفلت مصر بجلاء
آخر جندى بريطانى، وأصبحت مصر للمرة الأولى منذ 20
سبتمبر سنة 1882 مستقلة استقلالا تاماً، لا يقيم على
أرضها جندى واحد من جنود الاحتلال، فقد استطاعت مصر أن
تتخلص من شراك الاستعمار بعد صراع دام قرناً ونصف من
الزمان، فلما تخلصت من آخر جندى من جنود الاحتلال كان
لابد من نصب شرك آخر لها علها تقع فيه، ولكن مصر لم
تقع، وتلك هى جريمتها الكبرى فى نظر دول الاستعمار،
ذلك أن قادة مصر وضعوا برنامجاً طويل المدى لإنهاض مصر
وتثبيت اقتصادياتها

وإيجاد حلول سليمة لمشاكل تزايد
السكان وانخفاض مستوى المعيشة وقلة القوى المحركة
اللازمة للتصنيع وفى مقدمة هذه المشروعات مشروع السد
العالى، وهو مشروع ضخم يعد من أعظم المشروعات الهندسية
والعمرانية فى التاريخ، وتنفيذه يستلزم ملايين كثيرة
لسنوات متتالية، وقد وجدت مصر استعداداً من البنك
الدولى للإسهام فى تمويله، وأبدت أمريكا وإنجلترا
رغبتهما فى الاشتراك، فلما بدأت المحادثات بين رجال
مصر وممثلى البنك الدولى وهاتين الدولتين أحسنا أنهم
يريدون استخدام هذا التمويل كوسيلة للضغط على مصر من
ناحية ولربطه بعجلة اقتصادهم من ناحية أخرى، فجرت
محاولات لإفساد هذه الطريقة وأن يتم استخلاص المساهمات
الأجنبية خالية من كل قيد أو شرط، فرفض البنك ورفضت
انجلترا وأمريكا، وأرادتا إلى جانب الرفض أن تثيرا
الشكوك حول مركز مصر المالى، وأن تنسبا انسحابهما من
عملية التمويل إلى شكهما فى قدرة موارد مصر على النهوض
بأعباء المشروع، وقد أرادت إنجلترا وأمريكا بهذا
البيان الذى أعلنت فيه انسحابهما من التمويل أن تردا
إلى مصر سلسلة من اللطمات والصفعات وجهتها مصر إلى
السياسة الاستعمارية منذ قيام الثورة المصرية، وكان
لابد أن ترد مصر هذه الإهانة التى أرادت دول الاستعمار
أن توجهها إليها بلطمة تعيد إليها رشدها، وتخرجها من
الوهم الطويل الذى تعيش فيه، وقد اختار الرئيس جمال
عبد الناصر شركة قناة السويس، آخر معقل من معاقل
الاستعمار فى مصر، فأعلن قرار التأميم التاريخى فى
خطابه الخالد مساء 26 يوليو 1956، ولو لم تكن دول
الغرب تعتبر سيطرتها على القناة جزءاً من سياساتها
الاستعمارية لما أثارت هذه الضجة حوله، لأن شركة قناة
السويس شركة للدولة المصرية أن تمارس حقوق سيادتها
عليها كما تمارسها مع غيرها من الشركات المصرية، ثم إن
قناة السويس نفسها جزء من مصر، ومصر هى المسئولة عن
حمايتها وحيدتها بمقتضى معاهدة القسطنطينية سنة 1888
أى أن قرار التأميم لم يتناول إلا شيئاً واحداً فقط هو
إلغاء الشركة المغتصبة التى كانت تقيم فى باريس وإحلال
هيئة إدارية مصرية محلها، مع ضمان حرية الملاحة وحيدة
القناة والتعهد بتعويض حملة الأسهم تعويضاً عادلاً،
بدفع قيمة ما يحملونه من الأسهم بحسب قيمتها فى اليوم
السابق على القرار.

لو أن شركة القناة كانت مجرد شركة تجارية لما كان قرار
التأميم فى ذاته إلا تغييراً شكلياً لا يستحق ثورة أو
غضباً، ولكن الحقيقة أن الشركة كانت شيئاً غير ذلك..
كانت رمزاً على سيطرة الغرب على تجارة الشرق، كانت
أداة للجاسوسية والتدخل فى شئون البلاد، وكانت قبل هذا
وذاك، وسيلة لحرمان مصر من مميزات موقعها الجغرافى
المتميز، فما دامت الشركة فرنسية إنجليزية لحماً
ودماً، ومادامت إيرادات المرور تتحول مباشرة إلى جيوب
الفرنسيين والإنجليز، فإن مصر لن تستطيع أبداً أن تفيد
من موقعها عند ملتقى الشرق والغرب، وهذا الموقع هو نصف
رأس مال مصر، ولم يكد القرار يعلن، ولم تكد مصر تتولى
بنفسها شئون القناة حتى سقط القناع السميك الذى كانت
دول الغرب تتستر وراءه.

ولا شك أن هذه الاعتبارات كلها كانت فى ذهن الرئيس
جمال عبد الناصر عندما قرر إعلان التأميم كان يعلم
تماماً أن هذه الشركة ليست مجرد شركة تجارية وكان يعلم
تماماً أنه يوجه بذلك ضربة قاضية للاستعمار ولقد أوضح
ذلك كله بأسلوبه الذى يخاطب القلوب فى اللحظات التى
سبقت إعلانه قانون التأميم، حيث قال:
"قناة السويس التى ضحينا فيها قناة مصرية، شركة مصرية
اغتصبت بريطانيا حقنا فيها، ولا زالت بريطانيا من وقت
افتتاح القناة تتلقى الفوائد، ومع ذلك فهى شركة مساهمة
مصرية، إن دخل القناة 35 مليون جنيه أى 100 مليون
دولار، نأخذ منها نحن مليون جنيه، و3 مليون دولار
للشركة التى قامت حسب الفرمان من أجل مصلحة مصر، والتى
مات فى سبيلها من العمال المصريين عشرات الآلاف يذهب
دخلها إلى قوم أجانب، أننا لن نقبل أن نكرر الماضى،
وإنا مصممون على أن تعود إلينا حقوقنا فى قناة السويس،
ونحن اليوم حينما نبنى السد العالى بهذا الدخل نبنى
أيضاً سد العزة والحرية والكرامة، ونقضى على سدود الذل
والهوان، ونعلن أن مصر كلها جبهة واحدة، كتلة وطنية
متكافئة، سنقاتل لآخر قطرة من دمائنا فى سبيل بناء
بلدنا، سنعتمد على سواعدنا وعلى دمائنا، فنحن أغنياء
ولكنا كنا متهاونين فى حقوقنا، وسنبنى مصر القديمة،
مصر العربية الحرة، وقد وقعت اليوم، ووافقت الحكومة
على القانون الآتى....." ثم تلا الرئيس نص القرار الذى
يعتبر أعظم حادث فى تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب،
وقد بدأت به مصر عهداً جديداً لا فى تاريخها فحسب بل
فى تاريخ العالم أيضاً. |