|
ترجع أهمية كتاب "ورشة حفر قناة السويس"
للباحثة الفرنسية نتالى مونتل والذى ترجمه الدكتور
عباس أبو غزالة وصدر الكتاب المترجم فى عام 2005 فى
أنها –أى الباحثة- قد استمدت هذا الكتاب من رسالة
الدكتوراه التى أعدتها عن نفس الموضوع، كما أنها نالت
جائزة جان إدوار جوبى من الأكاديمية الفرنسية، وقد
تناولت فى الكتاب حقبة العشر سنوات التى استغرقتها
عملية حفر قناة السويس أى منذ بداية أول ضربة فأس
لفلاح مصرى حتى إقامة حفل الافتتاح الذى دعا إليه
الخديوى إسماعيل ملوك وأمراء العالم، وتتجلى خصوصية
البحث فى اعتماده أساساً على وثائق تاريخ حفر القناة
ذات الدور الهام فى الذاكرة المعاصرة،

وقد ركزت
المؤلفة فى رسالتها على "تأريخ التقنية" كما ينظر
الكتاب إلى مشروع حفر قناة السويس فى إطارين: الإطار
المصرى ثم الإطار الأوسع وهو تاريخ الإنجاز الإنسانى
وخاصة مجال تطبيق التقنيات فى مجال الأشغال العامة أى
تجريب التكنولوجيا، وهذا المنظور الجديد للتعامل مع
تجربة حفر قناة السويس لا يناقش مجرد الأهمية
التاريخية لهذا المشروع العملاق بالنسبة لمصر لكن يضعه
فى سلسلة تطور الحداثة الإنسانية غير غافل عن البعد
المصرى، كما يضع حتى وإن لم يكن متخصصاً فى سياق
التفكير فى عوامل نجاح أو فشل عملية البناء، علاوة على
الإجابة على سؤال كيف ساهم مشروع حفر قناة السويس فى
تحديث التقنية وتطوير نظريات العلم على ضوء التطبيق،
ليس هذا فقط بل لم تعتمد الباحثة على الكتابة
التاريخية المباشرة بغية الوصول إلى أقصى درجة من وضوح
الرؤية فقد اعتمدت على التقارير والمراسلات والرسومات
والأوامر الوظيفية الت حفظت فى دار الوثائق الوطنية
الفرنسية والتى تشغل حجماً من الأرفف يصل إلى 1600 متر
هذا إلى جانب دور المحفوظات ومكتبات مدارس المهندسين
والمؤسسات العلمية والفنية الفرنسية، فقد استهدفت
الباحثة تاريخ الخبرات الفعلية بحسب قولها، وتحكى
الباحثة أن أولى الصعوبات التى واجهت الحفر هى توفير
المياه العذبة الضرورية للحياة فى صحراء قاسية والحلول
مرت بماكينات تعمل بالبخار لتحلية المياه أو تعاقد مع
أنفار لتوريد مياه النيل الحلوة بقوارب عبر بحيرة
المنزلة او من الإسكندرية لكن المعضلة الكبرى كانت
الأيدى العاملة، وبناء على فرمان الخديو كانت السخرة
هى النظام المعمول به فى مصر فكانت أعداد ضخمة من
الفلاحين تسخر فى صيانة شبكات الرى وتطهير القنوات
وإقامة السدود، فكانت السخرة وسيلة استجلاب العمالة
المصرية بمعدل عشرة آلاف عامل كل شهر إلى العمل ووصل
الرقم إلى 25 ألف بعد عام 1861 فكانت رءوس العمل
فرنسية وقاعدة العمل المسخرة مصرية.

فكانت الحياة فى ورشة العمل نوعين حياة محدثة بالمطاعم
والمخابز ومحلات بيع المشروبات والمغاسل والمقاهى وحتى
البارات للصفوة الأجنبية وجزارات وورش خياطة وصالونات
حلاقة وحمامات للخواجات، وحياة أخرى بائسة لعمال
السخرة من عشش قماش وجفاف وقهر ومذلة، وكانت النشرة
الصحية للأمراض الأكثر انتشاراً كانت هى التهاب الكبد
والدوسنتاريا والرمد وأوجاع المعدة لكن كل ذلك يهون
إلى جانب الكوليرا التى ظهرت فى مايو 1865 وانتشرت فى
السويس مع وصول الحجاج.
العمال المتخصصون الأعلى شأناً لم يكونوا مصريين..
البناءون.. النجارون.. الحدادون.. الميكانيكيون..
كانوا من إيطاليا وشبه جزيرة الأردياتيك، وكان إنشاء
دور العبادة أحد الوسائل الى لجأت لها الإدارة لحفظ
النظام وتجنب أو تخفيف العنف والمشاجرات، فقد كان هناك
إدارة صحية وإدارة سكن وإدارة دينية بنت مساجد وكنائس،
كما أدخلت إدارة للأمن، وقد لعب حفر قناة السويس دوراً
فى تجديد نشاط التقنية الفرنسية خاصة فى مجال آلات
الحفر والرفع بمجرد الإعلان عن انطلاق العمل لوحظ فى
فرنسا نشاط المخترعين الذين بدأوا فى دراسة الوسائل
الاقتصادية لاستخراج ونقل ناتج الحفر والجرف ونقل
الأتربة والوسائل الميكانيكية عامة.
ويقدم الكتاب رصداً تفصيلياً لأنواع الآلات وتركيباتها
وما تقوم به سواء المحركات أو الصنادل أو الرافعات حتى
يصل إلى نوعية التحديث التقنى المتكامل والمساعد على
الإنجاز وهذا الجزء من العمل علاوة على الجزء الذى
يناقش علاقة تطور تكوين المهندس الفرنسى وخبراته ومدى
استفادته من المحك العملى لمشروع حفر قناة السويس ورصد
العلاقة بين المعرفة العلمية النظرية وتطبيقات الواقع،
هذا الجزء يشكل العصب الأساسى للكتاب لأن فى إطاره
تدخل أفرع هندسية عديدة استفادت وتعلمت وطورت خبراتها
فى ورشة حفر القناة.

وتقول الباحثة أن ورشة حفر قناة السويس كانت مسرحاً
للثقافة التقنية الإدارية ومركزاً للابتكار لمواد
ومعملاً لدراسة ممارسات العاملين، كل هذا قد تم على
خلفية مصرية فيها خديوى ضعيف وشعب مكوى بالشقاء.. |