الدور العربى المأمول تجاه قناة السويس

 

 دراسة / حسام عبد القادر   


لماذا تعد قناة السويس أولى حقائق الثراء الاقتصادى والحضارى العربى؟ تحت هذا العنوان والتساؤل قدم عادل عبد المعطى المحامى وعضو الجمعية البحرية بحث هام عن قناة السويس صدر فى مطبوعات الجمعية البحرية المصرية ويقول عادل عبد المعطى فى دراسته:

 إن التحديات التى تواجه قناة السويس هى نفسها التى تواجه الأمن القومى المصرى والعربى، فهى ليست تحديات وليدة الحاضر، إنما هى تحديات قديمة سابقة على حفر القناة، وإن كانت هذه التحديات ظهرت ملامحها منذ اليوم الأول لافتتاح القناة فى 17 نوفمبر عام 1869، فبعد ستة سنوات فقط من افتتاح قناة السويس للملاحة الدولية، باع الخديو إسماعيل أسهم مصر فى شركة القناة للإنجليز، ومقدارها 177642 سهماً، بمقابل نقدى مقداره 100 مليون فرنك (4 ملايين جنيه مصرى) وحرر عقد بيع هذه الأسهم فى 25 نوفمبر عام 1875، وأصبحت إنجلترا صاحبة 44% من أسهم شركة قناة السويس والتى أخذت على عاتقها، بعد ذلك وبكافة طرق التحايل والقوة فى الاستيلاء على بقية القناة أى الاستيلاء على كل مصر، فبعد هزيمة أحمد عرابى وصحبه وبعد سبعة سنوات فقط من تملكها نصيب مصر من أسهم القناة كان احتلالها لمصر فى عام 1882
هذا هو التاريخ وهذه هى الحقائق التاريخية التى يجب علينا أن نستخلص منها العبر لتكون لنا زاد ومعين وتعزيز لدورنا القومى، وحتى لا نضيع فى زحام الترتيبات الإقليمية والدولية الجديدة
ويلفت عادل عبد المعطى فى دراسته النظر إلى محاضرة قيمة لأفضل مؤرخ فى القرن العشرين وهو الإنجليزى "أرنولد توينبى" والتى ألقاها فى مصر فى إبريل عام 1964 تحت عنوان "الشرق الأوسطية والسياسة العالمية" حيث استشهد فى حديثه بعدد من الأمثلة التاريخية ذات المدلول الخاص والتى لا يملك المرء إلا أن يعجب بمقدرته على التحليل للواقع، وعلى إثبات وجهة نظره حيث قال عن أهمية المنطقة العربية ووجوب المحافظة عليها بالتكتل والوحدة العربية ما نصه: ".... على أن ازدياد أهمية منطقة ما بالنسبة إلى الشئون العالمية ليس دائماً أمراً فى صالح سكان هذه المنطقة، ذلك لأن ازدياد أهميتها يؤدى بكل دول العالم إلى التنافس عليها، وهكذا فإن أهمية المنطقة لا تكون مفيدة لسكانها إلا إذا كان لهم من القوة ما يمكنهم من الصمود أمام الدول الخارجية ومقاومة محاولات الدول الأخرى للسيطرة على هذه المنطقة لصالحها هى، لا لصالح سكانها أنفسهم، وهكذا حدث فى الشرق الأوسط منذ عام 1798 أن خضعت كل البلاد باستثناء أثيوبيا وأفغانستان، لسيطرة استعمارية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولفترة معينة من الوقت فمصر قد تعرضت بوجه خاص لغزو متكرر من الإنجليز والفرنسيين منذ عام 1798 إلى عام 1956، وهناك قصة تروى عن محمد على هى أن رجل أعمال أوروبى قد عرض عليه أن يحفر قناة من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر مقابل مبلغ كبير بالطبع، وأن محمد على رد عليه قائلاً: أن السلطان محمود الثانى منافسى فى تركيا لديه البسفور والدردنيل، ومن حسن حظى أن ليس لدى بسفور ولا دردنيل خاصان بى ليتنافس عليهما الأوروبيون، إنك تطلب إلى أن أعرض نفسى لأخطار جمة بحفر بسفور ودردنيل صناعيين.. وهكذا رفض التصريح له بحفر القناة، غير أن خلفاء محمد على كانوا أقل حذراً وسمحوا بالفعل بحفر قناة السويس...
ويستطرد المؤرخ الإنجليزى حديثه قائلاً: إن الشعوب العربية فى رأيى ستظل حتماً ضعيفة نسبياً طالما ظلت متفرقة الكلمة وبالتالى ستظل تلقى معاملة غير عادلة، أوسمها إن شئت معامل فيها تجاهل، من الشعوب الأقوى منها، وأخشى أن أقول أن الحياة السياسية فى هذا العالم تجعل من المحتم أن يقابل أى شعب بالتجاهل إن لم يكن لديه من القوة ما يجعله يسمع الآخرين صوته، ومن هنا كان من المهم لأى بلد أو شعب أو مجموعة من الشعوب، أن تكون لديها القوة التى تمكنها من إرغام الآخرين على سماع صوتها وعمل حساب لوجهة نظرها أو مصالحها، ولو اتحد العرب من مراكش إلى مسقط، وهما الطرفان القصيان للعالم العربى فى أوسع حدوده لأصبحوا قوة فى العالم بفضل أهمية الموقع الجغرافى الذى يتحكم فى الطرق الجوية والطرق البحرية القصيرة بين المحيط الأطلسى وبين المحيطين الهندى والهادى، وبفضل موارد البترول ورأس المال البشرى، أى الموارد البشرية التى هى فى نهاية الأمر أثمن رأسمال يمتلكه أى شعب..."
ويكمل عبد المعطى قائلاً أن ما قاله المؤرخ الإنجليزى هو الإجابة الشافية لتساؤلاتنا فهو يحذرنا من التشرذم والتفكك، ذلك لأن الثراء الحضارى العربى هو ثراء الكل وليس ثراء الجزء، ولذا كانت قناة السويس جزء من هذا الثراء العربى الموحد، شأنها فى ذلك شأن الطرق البرية والبحرية والجوية، تتكامل معهم فى نسيج واحد، وهذا ما يجب علينا أن تكون نظرتنا لقناة السويس، أى نظرة عربية شاملة، وأن تكون المواجهة للتحديات التى تقابلها أى التى تجابه القناة، مواجهة عربية موحدة مثل إيجاد منافع جديدة غير تقليدية للقناة، كاستثمار ضفتى القناة بأموال عربية الجنسية فى المقام الأول، وتدعيم الطرق أو الجسور البرية وغيرها من المشروعات العربية الكبرى، ويجب أن نكون مدركين لما يجرى حولنا والتصدى لأى محاولة تبتغى إفقار هذا الثراء العربى المتنوع والتمسك بفضيلة "النظرة التوحيدية" مع عدم السماح لأنفسنا أن نكرر نفس الأحداث التاريخية التى مرت بالمنطقة العربية من قبل، فلقد قيل أن التاريخ لا يعيد نفسه إلا إذا وقع نفس الحدث بكل تفاصيله تماماً، وأن هذا لا يحدث إلا فى مجتمع راكد غير متطور، إن الأحداث التى تمر بالشعوب هى الامتحان الحقيقى لقدرتها ومدى حيويتها، فإن استمرت طاقاتها تهدر بأسباب البناء كان ذلك دليل انتصار إرادة الحياة لديها.
الدور الأفريقى والعالمى لقناة السويس
العالم خسر 12 مليار دولار فى سنوات غلق قناة السويس
ويشير الباحث والصحفى سامى دسوقى فى دراسته حول "القوة التفاوضية لقناة السويس" إلى ما جرى للعالم فى الأيم والشهور والسنوات التالية لتوقف الملاحة فى قناة السويس بداية من يونيو 1967 قائلاً أنه فى لقاء مع محمد عبد الحليم وزير الخزانة السودانى فى نوفمبر عام 1970 أكد أن تأثير إغلاق قناة السويس على الاقتصاد السودانى أمر مفروع منه فبعد إغلاق أصبح طريق رأس الرجال الصالح المنفذ الوحيد لتجارة السودان، فالمسافة من بورسودان إلى ميناء امستردام تبلغ 10800 ميل بينما المسافة أربعة آلاف ميل فقط عبر قناة السويس، والرحلة كانت تستغرق 15 يوماً عبر القناة بينما تستغرق 40 يوما برأس الرجال الصالح، وقد أفاد تقرير لوزارة الخزانة السودانية أن ميناء بورسودان فقد ثلث دخله من الرسوم وقد ورد فى احصائيات بنك السودان أن عجز الحساب الجارى ارتفع إلى 18.5 مليون جنيه فى نهاية 67/1968 أما العجز الكلى لميزان المدفوعات فقد قفز من 3.4 مليون جنيه فى 66/1967 إلى 8.8 مليون جنيه فى نهاية 67/1968، كما تقلص أرصدة السودان من النقد الأجنبى مع اللجوء إلى القروض، إن إغلاق قناة السويس أزم مشكلة التوازن الخارجى والداخلى للسودان وعرقل مساعى الحكومة للنهوض بقطاعات الاقتصاد
ويضيف سامى دسوقى أنه ضمن جولة لشرق افريقيا لتقصى آثار إغلاق قناة السويس والتى شملت أثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا فإن تجار الماركاتو بالسوق التجارى فى قلب أديس بابا أن حجم المعروض من السوق انكمش فى السنوات التالية لإغلاق القناة وحال إغلاق القناة دون التطور الطبيعى للعلاقات التجارية وتبادل السلع بين مصر وأفريقيا، كما تأثر ميناء دار السلام على المحيط الهادى بإغلاق القناة، وفى كمبالا ونيروبى ارتفعت أسعار كل شئ بنسبة 25% فور إغلاق القناة والرد جاهز على لسان أصحاب المتاجر .. ارتفاع أسعار النقل من أوروبا، فقد خسر العالم خلال السنوات الثمانى لإغلاقها 12 مليار دولار.. ففى عام 1966 العام الأخير قبل إغلاق قناة السويس عبرت القناة سفن ششحن وناقلات بترول عليها 242 مليون طن منها 176 مليون طن من الزيوت و66 مليون طن من البضائع الجافة، أى ما يعادل 14% من جملة المحمل بحراً فى تلك السنة عبرت ناقلات الزيت القناة وعليها 36% من صادرات دول الخليج العربى من الزيت وعلى ذات الناقلات كان هناك ثلث ما تستورده أوروبا الغربية من الزيت، بعد الإغلاق المفاجئ لقناة السويس أصبح مطلوباً بين يوم وليلة زيادة طاقة اسطول النقالات فى العالم بنسبة 25 % وأصبحت الحاجة ملحة إلى ناقلات جديدة عملاقة، ولعل الأمر لم يكن مصادفة فإنه قبل عبور قناة السويس فى أكتوبر 1973 صدر من مقر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية فى جنيف تقرير عن الآثار الاقتصادية المترتبة على إغلاق قناة السويس استغرق إعداده عاماً كاملاً بعدما توفرت له المعلومات من 31 دولة و23 ميناء عالمياً.
قال التقرير باختصار أن حساب الخسائر السنوية للتجارة العالمية من منتصف 1967 إلى عام 1971 بلغت 7 آلاف مليون دولار وأن معدل الخسارة منذ 1971 بلغ 1700 مليون دولار سنوياً ويشمل الرقم خسارة التجارة والأسعار المتزايدة للنقل البحرى نتيجة الطواف حول رأس الرجاء الصالح ومعنى ذلك أن الرقم تجاوز 12 مليار دولار فى السنوات الثمانى لإغلاق قناة السويس.
k

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

احتفالات خاصة بالإسكندرية بمناسبة مرور 50 عام على تأميم قناة السويس

من أجل مصر أمم ناصر القناة

 إقامة قناة مثل قناة السويس يعد ضرباً من الجنون.. !!

حفر قناة السويس فى عيون فرنسية
حفر قناة السويس كان مسرحاً للثقافة التقنية وللابتكار

حكاية شاب فرنسى اسمه دى ليسبس مع قناة السويس

سر شهر نوفمبر مع قناة السويس

الدور العربى المأمول تجاه قناة السويس

قناة السويس.. إحصائيات وأرقام

قناة السويس فى عيون فرنسية
ريشة فنان فرنسى شاهد على عصر حفر قناة السويس

مؤامرة مد امتياز قناة السويس


حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان