|
دور كبير من الحركة الوطنية المصرية فى
وقف المؤامرة
بقيادة الزعيم محمد فريد رئيس الحزب الوطنى
محمد فريد أول من نادى بتأميم قناة السويس
الصحافة المصرية لعبت دوراً كبيراً فى مساندة القضية
الوطنية أمام العالم

فصل جديد من فصول الحركة الوطنية فى مصر الحديثة يحكيه
لنا المؤرخ الدكتور السيد حسين جلال الأستاذ بكلية
الآداب جامعة الإسكندرية ورئيس المعهد البحرى بهيئة
قناة السويس سابقاً ويشرح فيه خبايا مؤامرة شركة قناة
السويس لمد امتيازها فترة أخرى حتى عام 2008، وتمثلت
أطراف المؤامرة فى شركة قناة السويس من جهة وسلطات
الاحتلال البريطانى من جهة أخرى.
أما شركة قناة السويس فكانت تمثل قمة النهب الاستعمارى
المنظم والمستمر لمورد طبيعى من موارد مصر (قناة
السويس) التى تجرى فى أرضها وحفرت بأيدى أبنائها فكانت
أشبه بوريد يمر فى جسد مصر، ولكنه يصب فى جيوب
المساهمين الفرنسيين والحكومة البريطانية ملايين
الفرنكات كل عام، وقد سعت الشركة فى محاولات متعددة
لمد امتيازها وكانت آخرها المحاولة الرابعة (1908-
1910) مستغلة حاجة الحكومة المصرية للمال فسارعت إلى
عرض مشروع مد امتيازها 40 عاماً أخرى -وكانت فترة
الامتياز تنتهى فى 1968- نظير قرض تقدمه الشركة
للحكومة المصرية، وفى نفس الوقت لوحت الشركة لبريطانيا
بتخفيض رسوم المرور فى القناة لتشجيعها ولحثها فى نفس
الوقت على تأييد الاتفاقية والضغط على الحكومة المصرية
لقبولها، وكان الدافع وراء إقدام شركة قناة السويس على
مد امتيازها هو إحساسها بالخوف من تطور ونمو الوعى
القومى، وازدياد الحركة الوطنية فى مصر، فاستغلت
الشركة عاملين هامين فى العلاقات الدولية هما: تحسن
العلاقات الفرنسية البريطانية بعد الاتفاق الودى
وازدياد مخاوف انجلترا من نمو العسكرية الألمانية
وازدياد حجم اسطولها البحرى، فقدمت الشركة عرضها
لسلطات الاحتلال فى مصر حلاً لمشاكله المالية هناك
نظير مد الامتياز بشروط مجحفة لمصر، وأرادت الشركة أن
يأخذ مد الامتياز شكله القانونى بتصديق الجمعية
العمومية المصرية عليه حتى لا تستطيع أى حكومة فى مصر
بعد ذلك التحلل من هذه الاتفاقية.
ويحكى د. السيد جلال قائلاً أنه عندما تسرب خبر مد
الإمتياز للصحف فجرت المشكلة الحماس الوطنى وأججت فى
النفوس زكريات أليمة ارتبطت بشق قناة السويس وما
صاحبها من سخرة أرهقت أرواح آلاف من المصريين وما تلا
فتح القناة للملاحة العالمية من أحداث أدت إلى احتلال
إنجلترا لمصر، وتطلعت مصر إلى اليوم الذى تتخلص فيه من
هذا القيد الكريه الذى كبل البلاد بامتياز الشركة قرنا
من الزمان، وانبرى قادة الحركة الوطنية فى مصر يهاجمون
المشروع وسلطات الاحتلال والشركة والوزراء المصريين
المتعاطفين مع مد الامتياز، وذهب محمد فريد إلى حد
المطالبة بتأميم قناة السويس بدلاً من محاولة مد
امتيازها فترة أخرى، فكان بذلك أول من نادى بالتأميم،
كما وقفت الصحافة المصرية والجمعية العمومية موقفاً
حاسماً ومشرفاً ضد هذه المؤامرة التى حيكت خيوطها فى
الخفاء، فرفضته بالإجماع واختفى المشروع للأبد، ويمكن
القول أن التصدى لهذه المؤامرة كان مدرسة لقادة الحركة
الوطنية جمعت أفكارهم وحددت هدفهم وكانت بمثابة رد فعل
للاستعمار الجائم على أرض مصر بسبب هذه القناة منذ
أكثر من ربع قرن وكان أملهم انتهاء مدة الامتياز لتعود
القناة إلى مصر فجاءت عملية المد ضربة للآمال هيجت ما
اعتملت عليه النفوس من ضيق نحو سلطات الاحتلال والشركة
الفرنسية بل وهددت بإشعال ثورة شبيهة بثورة 1881
ويقول د. السيد جلال لابد أن نذكر الدور الوطنى للزعيم
محمد فريد فى هذا الموضوع وكان فريد قد تم انتخابه
لرئاسة الحزب الوطنى فى 14 فبراير 1908 خلفاً لمصطفى
كامل، وكان محمد فريد هو أول من أمسك بخيط مؤامرة مد
امتياز شركة قناة السويس ونشرها على الأمة فى صحيفة
اللواء فى عددها الصادر 28 أكتوبر 1909 بعد أن حصل على
نص مشروع الاتفاق بين الحكومة المصرية وشركة قناة
السويس،

واستمر يدافع عن حق مصر فى قناة السويس وحلل
الأضرار المالية والسياسية التى سببتها قناة السويس
وكذلك الأخطار الناجمة عن مد امتياز الشركة ولا شك أن
موقفه من المشكلة كان مشرفاً، كما رد فى مقال آخر على
جميع حجج المستشار المالى البريطانى الخاصة بفائدة
مشروع مد الامتياز، وهاجم الامتيازات الأجنبية فى مصر
والتى تسعى إلى نهب ثروات مصر فى الوقت الذى يئن كل
مصرى من وجود قناة السويس فى يد شركة أجنبية دولية بعد
أن فتحت بأموال مصر وأبنائها ويتوق إلى أن يرى أولاده
هذه القناة ملكاً لهم يوما ما
ثم أضاف محمد فريد مهاجماً الحكومة المصرية قائلاً: لو
أن مصر كانت حرة وكانت أعمالها بيدها لفضلت استرداد
الامتياز من الآن مقابل تعويض مالى يدفع للشركة مرة
واحدة أو مقابل جزء من الأرباح يحسب على نسة صافى
إيراد خمس السنوات أو عشر السنوات الأخيرة، ويدفع لها
فى مدة السنة الباقبة من الامتياز، كما فعلت الدول
التى استردت امتياز سككها الحديدية. ولكن هذا الأمر
يستحيل صدوره من حكومتنا التى لا تراعى فى إدارة
أمورها إلا ما يوحى إليها المستشارون الإنجليز وهم بلا
شك يسعون جهدهم فى تمليك مرافق البلاد إلى الشركات
الإنجليزية أو التى للإنجليز فيها النصيب الأوفر،
فالأجدر بالحكومة أن تسعى فى استخلاص القناة من الشركة
منذ الآن بأن تسترد منها وتضمن لها متوسط ما كسبته
منها فى مدة العشرين سنة الأخيرة وهو ما نظن لا يزيد
على 45 مليون فرنك سنوياً، وبما أن إيراد الشركة فى
ازدياد مضطرد فستربح الحكومة ما يزيد على ما تدفعه
للشركة ويمكنها حين ذاك تخصيص هذه الزيادة لتخفيف
ضرائب الأطيان، بمراقبة الجمعية العمومية وتتخلص من
وجود شركة أجنبية قوية ذات مصالح عظيمة فى بلادها.

وكان مقال محمد فريد دعوى لكل القوى الوطنية والصحف
المصرية بالمبادرة بالهجوم على مشروع مد الامتياز ولم
يكتف فريد بذلك بل دعا اللجنة الإدارية للحزب فى 29
أكتوبر 1909 إلى الاجتماع وأصدرت القرار الآتى: "نظراً
لخطورة مسألة قناة السويس اجتمعت اللجنة الإدارية
للحزب الوطنى مساء 29 أكتوبر 1909 وتفاوضت فيما يجب
اتخاذه إزاء هذه المسألة فقررت دعوة الحكومة فى مشروع
مد امتياز القناة قبل البت فيه ولذلك أرسلت التلغرافات
الآتية إلى الجناب العالى ورياسة مجلس الوزراء ورياسة
الجمعية العمومية وإلى الخديوى التمست فيه باسم الحزب
الوطنى ألا تحرم الأمة من أخذ رأيها فى المفاوضات
الخاصة بمشروع المد وأرسلت برقية مماثلة إلى الحكومة
وإلى الأمير حسين كامل احتجت على عدم رأى الأمة فى هذا
العمل الخطير". وكان رفض الاتفاقية فى الجمعية
العمومية أعظم نصر حققه الحزب الوطنى وهو يقدم مثلاً
نموذجياً لحدود سلطة البريطانيين فى مصر آنذاك.
إسرائيل والمرور فى قناة السويس:
ويقول الدكتور السيد جلال أنه منذ الحرب الفلسطينية
الأولى سنة 1948 وقبول إسرائيل عضواً فى الأمم المتحدة
فى 12 مايو 1949 عقدت إسرائيل أربع اتفاقيات لهدنة
دائمة مع كل من مصر والأردن ولبنان وسوريا بإشراف
منظمة الأمم المتحدة، ولم تنه اتفاقيات الهدنة الدائمة
"حالة الحرب" بين العرب وإسرائيل فقد استمرت
الاشتباكات من وقت لآخر بين الجانبين على طول خطوط
الهدنة وتكررت أعمال العدوان من جانب القوات
الإسرائيلية على جميع الدول العربية المتاخمة،
كالعدوان على غزة فى 15 إبريل 1954 ثم التهبت الجبهة
المصرية الإسرائيلية من جديد بغزو إسرائيل فى 29
أكتوبر عام 1956 لشبه جزيرة سيناء وتوغلها فى اتجاه
قناة السويس، واستناداً لهذا الواقع مارست مصر منذ ذلك
التاريخ فى إقليمها البرى ومياهها الإقليمية وموانيها
شاملة موانى القناة، الحقوق المقررة فى القانون الدولى
للدول المحاربة إزاء العدو الإسرائيلى، ومن بين هذه
الحقوق المعترف بها للمحاربين حق "الاغتنام" أى حق ضبط
سفن العدو وبضاعته المنقولة بحراً على ظهر سفنه أو على
السفن الموضوعة تحت إشرافه وهيمنته.
وكان لابد لمصر فى ممارستها لحق الاغتنام من توقيف
السفن التى تدخل المياه الإقليمية المصرية أو الموانى
المصرية بما فى ذلك بورسعيد والسويس على مدخلى القناة،
للتأكد من أن شحناتها لا تحتوى على أموال للعدو
الإسرائيلى أو على مهربات حربية مرسلة إليه، وقد أثارت
هذه التدابير الدول البحرية جميعها كبيرها وصغيرها،
فأخذت تنكر على الحكومة المصرية حق اتخاذها هذه
الإجراءات بزعم أنه لا وجود لحالة الحرب بين الدول
العربية وإسرائيل لا سيما بعد التوقيع على الهدنة
الدائمة بإشراف الأمم المتحدة فى عام 1949، كما زعمت
أن فى توقيف السفن فى مينائى بورسعيد والسويس
لتفتيشها، وإخضاع شحناتها لإجراءات الاغتنام إخلالاً
خطيراً بأحكام معاهدة القسطنطينية الموقعة فى 29
أكتوبر 1888، وقد ردت الحكومة المصرية بحزم على هذه
الإدعاءات وشرحت بمذكرة إضافية وجهة نظرها، وقد أعدت
أصلاً لتقديمها إلى مجلس الأمن عند طرح هذا الأمر عليه
للمرة الأولى فى عام 1951، هذا ويقوم حق الحكومة
المصرية على سندين هما: ممارسة حقوق المحاربين والحرب
البحرية عموما، وأحكام المادتين 9 و10 من اتفاقية
فلسطين لعام 1888 التى تخول للحكومة المصرية اتخاذ
تدابير خاصة للدفاع عن مصر ونظامها العام، ولحماية
القناة نفسها، شريطة ألا يترتب على هذه التدابير تعطيل
الملاحة فى القناة، وعلى أية حال لم تستطع إسرائيل
المرور فى قناة السويس إلا بعد توقيع اتفاقية السلام
مع مصر فى عام 1979. |