




















  
|
 |
 |
نجيب محفوظ والإسكندرية |
|
|
|
يعتبر نجيب محفوظ من أهم كتاب الرواية العرب
اهتماما ببناء قصته بناء هندسيا متكامل فهو يعمل لكل قصة تخطيطا قبل بدء
الكتابــــة ويختلف هذا التخطيط والبناء ويتفاوت باختلاف رواياته.
من المعروف أن كل جيل يعبر عن زمنه وعالمه . فبيرم التونسى الشاعر العظيم – الذى
عبر عن هموم الشعب المصري بكل فئاته ، وشارك في كل قضايا بلاده بشعره السهل الجميل
– لم يستطع أن يعبر عن أزمة السويس بالقدر الذى عبر به صلاح جاهين – الذى أصبح
ممثلا لشعر العامية في ذلك الوقت .
يقول بيرمالتونسى:
تلات أمم يا بورسعيد متقدمة بدبابات وطيارات تملا السما
الأوله داخله البلاد مستعمرة والتانيه بعد الانكسار متجبرة
والتالته على العرب متأجــــــرة
بينما يقول صلاح جاهين عن نفس الموقف :
يا حمام البر سقف طـــــير وهـــــــفهف
حوم ورفـــــــرف على كتف الحر وقف
وألقط الغلـــــــــــــــــة
أو يعبر جاهين عن نجاح المصريين في إدارة قناة السويس قائلا:
محلاك يا مصرى وأنت ع الدفة والنصرة عاملة في القنال زفة
ياولاد بلدنا تعالوا ع الضفـــــــــة شاورولهم ، غنولهم وقوللهـــم
ريسنا قال : ما فيش محــــــــــال راح الدخيل وابن البلد كفــــــى
وابتعد إبراهيم حمودة وعبدالغنى السيد وغيرهما من الأصوات الجميلة عندما ظهر
عبدالحليم حافظ ، لأنه كان ممثلا لذلك الجيل في ميدان الغناء .
لكن أثنين – في رأيي – شذا عن ذلك ، وحطما هذه النظرية هما : محمدعبد الوهاب ونجيب
محفوظ. فقد عاشا في جيلهما وأجيالا أخرى عديدة بعد ذلك .
كان من المتوقع أن يبتعد نجيب محفوظ بعد هزيمة يونيو 1967 ليبدأ جيل جديد تفرزه تلك
الظروف القاسية التى يمر بها الوطن . لكنه- لأنه حالة متفردة – عبر عن هذه المرحلة
– أيضا – وشارك كتاب الموجة الجديدة في فترة القلق وعدم التوازن التى أعقبت هزيمة
يونيو 67 مباشرة. لكنه سرعان ما عاد ثانية إلى طبيعته الفنية السليمة .
ونجيب محفوظ استحق ما وصل إليه بجدارة ، لأنه أخلص تماما لعمله . ففى حــــديث له
مع إحدى المجلات ، يذكر زوجته بالخير لأنها تحملت من أجله وضحت بالزيارات العائلية
التى تهتم بها المرأة – عادة – لأنه لا يستطيع أن يستجيب لتلك الرغبة في الزيارات
وحضور المناسبات الاجتماعية ، لأن وقته لا يسمــــح له بذلك . ولو تتبعنا مسيرة
كبار الروائيين في العالم لوجدناهم يعملون عددا كبيرا جدا من الساعات في اليوم
الواحد . فالرواية تستوجب عملا شاقا من القراءة المتواصلة والتحضير للرواية ثم
كتابتها . ويقول يحيى حقي عنه:
مما لفت نظري شدة أمانته لعمله وإخلاصه له ، فهو لا يهجم على أمر دون أن يتخذ له
عدته حتى في رسم الشخصيات الثانوية . إن قدرته على البصر والإبصار خارقة. وإني
لتأخذني رجفة كلما تصورت حال أدب القصة عندنا لو لم نسعد بفن نجيب محفوظ .
وحكى الأستاذ الدكتور/ صلاح فضل في ندوة له في الإسكندرية ، من أنه سأل نجيب محفوظ
يوما عن أسباب وصوله إلى هذه المكانة العظيمة والمقدرة الواضحة في كتابة الرواية ،
فقال نجيب : السبب هو المثابرة .
نجيب محفوظ لا يهتم بمتطلبات عادية تشغل سائر الناس. فقد تعطل تليفون بيته في
الإسكندرية،حيث كان يقضى إجازته الصيفية فيها ، فلم يلجأ إلى المسئولين طالبا
إصلاحه ، إنما تحدث عنه في جلسته. وربما جاء هذا عرضا ، عندما سأله أحد الجلوس عن
عدم رده عليه تليفونيا ، فتطوع أديب سكندري – يشاركه الجلسة وقتذاك – بالسعى لإصلاح
التليفون.
وقد حكى لى صديقي حسين عيد – الناقد المعروف – أنه كان يقف في طابور لتجديد رخصة
سيارته ، فإذ بنجيب محفوظ في الطابور. فقال له:
- معقولة . سيادتك واقف في الطابور بنفسك ، كان من الممكن أن ترسل أحد معارفك .
فقال: أنا قلت أشوفهم بيعملوا إيه .
وأرى من المفيد هنا أن أعقد مقارنة بين نجيب محفوظ والدكتور يوسف إدريس – وإن كنت
أرى أن ذلك لا يستقيم مع الواقع والمنطق ، حيث أن المفاضلة بين كاتب وآخر تؤدى إلى
ظلم أحدهما ، لكن الضرورة حتمت أن أعقد هذه المقارنة التى توضح بعض النقاط الهامة
في طريق الفنانين ، يمكن الاستفادة منها استفادة كبيرة .فإدريس – في رأيي – موهبة
متأججة مشتعلة ، وموهبته أكبر من موهبة نجيب محفوظ ، لكنه لم يعط لعمله كما أعطى
نجيب محفوظ لعمله من جهد وتعب . فإدريس كان نجما في سماء الأدب ، يتعامل مع الآخرين
على هذا الأساس ؛ ولابد أن يحاط بالعديد من النجوم السينمائية ، يكون هو محط
اهتمامهم بل وقاضيهم في نفس الوقت، يشكون إليه ، فيصالحهم . بينما يبتعد نجيب محفوظ
عن أشياء عديدة هامة من أجل أن تكون الرواية محط اهتمامه ، يحملها معه في سيره وفى
عمله – أيام كان يعمل - وفى جلساته مع أصدقائه وتلاميذه . فهو يختار الأماكن التى
تفيده في عمله الروائي ، ويختار بعض الشخصيات التى تفيده عند بناء الشخصيات في
كتابة رواياته . وقد أوضحت في قصة لى نشرت في جريدة القاهرة عن اهتمام نجيب محفوظ
بشخصية غريبة كانت ترتاد النوادي الأدبية في الإسكندرية ، وتحرص على مشاركة نجيب
محفوظ في جلساته . وأن نجيب تعامل معه كمادة قصصية . فكان يسأل عنه ، وأطلق عليه
اسم " المسكين الغامض" . وتقول الدكتورة فاطمة موسى في ذلك :
" كان نجيب محفوظ دائما من أكثر كتابنا وعيا بنفسه وبتطوره الفنى . وربما ساعده على
ذلك تراثه الفلسفي القديم وتمسكه – لسنوات طويلة – بلقاءات منتظمة مع أجيال من شباب
الكتاب والصحفيين وهم في أكثر الأوقات يمطرونه بالسؤال تلو السؤال عن كتاباته
وآرائه ، ويضعون إنجازه تحت المجهر من الفحص الدائم ، ويتضح مما نشر من أحاديثه –
في تلك الفترة – انه كان يسير في تطوره الفنى مفتوح العينين ، يعرف مكانه وسط خضم
الأحداث . كما يعرف مكانه في خريطة الأدب في العالم ،ويتنبأ بالخطوة التالية في
إبداعه .
سكندريات محفوظية
أننى أرى أن تطور الشكل عند نجيب محفوظ بدأ منذ أن كتب عن الإسكندرية . فأعماله
الأولى – رغم جودتها – كان أسلوبها لا يخلو من ملل ، وتحمل تفصيلات زائدة عن الحاجة
.
نجيب محفوظ محب للإسكندرية ، وفى جلساتى القليلة معه سمعته يتحدث عن زياراته لها
أيام كان موظفا في وزارة الأوقاف. وقد ُسئلت في برنامج تليفزيونى عن صورة السكندرى
في الدراما التليفزيونية ، وعن المبالغة في إظهار " الكاركتر" السكندرى . فقلت إن
هذا راجع إلى أن بعض الكتاب يبدءون الكتابة دون أن يدرسوا البيئة التى يكتبون عنها
. وقلت أن نجيب محفوظ كتب عن الإسكندرية فلم يأت بهذه المبالغات الغريبة لأنه يعرف
العادات والتقاليد السكندرية لزياراته الكثيرة لها ولصلاته الوثيقة بالكثيرين من
أهلها .
بدأ نجيب محفوظ الكتابة عن الإسكندرية بروايته " اللص والكلاب " فاتجه بها اتجاها
جديدا على مستوى الرواية العربية . فالرواية العربية حتى اللص والكلاب كانت تعتني
بالوصف الخارجى للشخصيات والأحداث وتركز على الصراع الذى يدور بين الشخصيات
والمجتمع . وتركز على ملامحه الخارجية دون أن تلقى ضوءا على ما يدور داخل الشخصية
وانعكاسات الظروف الخارجية على التكوين النفسى لها .في اللص والكلاب صيغة مختبئة
بارعة تكاد يتفرد صاحبها بمستواها الرفيع ، فتجردت الرواية من التفصيلات الثانوية ،
لأن رواية الماضى في صورة ذكريات لا تبغى إلا الجوهر . لذلك كانت اللص والكلاب أول
رواية يكتبها نجيب محفوظ بنبض ديناميكى جعلنا نغفر له إسهابه القديم .قدم لنا البطل
من الداخل والخارج معا حتى يكاد القارئ يحس بوجود البطل الفعلى أمام عينيه. فهو هنا
لا يهتم بتسجيل التجربة بل آثارها وإنارتها من الداخل. ومن زاوية فردية بحتة ، هي
زاوية بطل الرواية سعيد مهران . لا يهتم نجيب محفوظ بقضية خيانة زوجته له ، ولا
يفسرها أويحللها ، لكنه يواجه سعيد مهران ويواجهنا بها كأمر محتوم كالقدر نفسه
.استوحى نجيب محفوظ روايته من حادث سفاح الإسكندرية " محمود أمين سليمان" الذى شغل
الأذهان يوما وأقام الدنيا وأقعدها قبيل نشر الرواية . وجعلت منه تهويلات الصحافة
بطلا ، وصورته في صورة الإنسان الخارق القادر على كل شئ . فكانوا يقولون أنه يستطيع
القفز من عدة أدوار دون أن يصاب بسوء لأنه خلع عظمتى ركبتيه في عملية جراحية ،
واقتفت أثره الكلاب البوليسية حتى فر إلى كهف في الجبل كما تفر الضوارى أمام كلاب
الصيد
.
الإسكندرية مدينة السفاحين
ظهر في الإسكندرية العديد من السفاحين منهم : ريا وسكينة في عشرينيات القرن العشرين
. فكتب البعض عنهما ، منهم نجيب محفوظ عندما كتب سيناريو الفيلم المأخوذ عن حياتهما
والذى أخرجه الفنان / صلاح أبو سيف . ثم كتب بهجت قمر مسرحيته الكوميدية " ريا
وسكينة " . ثم ظهر سعد اسكندر سفاح كرموز . وكتبت عنه بعض الأعمال وإن كانت لم ترق
إلى مستوى ما ُكتب عن ريا وسكينة . وظهر سفاحا المشتل اللذان كانا يعملان في مشتل
محطة السكة الحديد في الإسكندرية ، وكانا يصطادان السائرين أمامهما في منطقة "
المناورة " التى يندر مرور الناس فيها ، فيأخذان نقودهم ثم يقتالونهم . وتم القبض
عليهما وأعدما . وظهر قناوى الذى كان يعمل مع بعض الإقطاعيين ، فيجندونه للقتل
لحسابهم ، وتم القبض عليه في جريمة النزهة الشهيرة ، ولم يحكم عليه القاضى –
الخازندار - بالإعدام ، فقد تم إنقاذ المجنى عليه ، ولم تثبت إدانة قناوى في
الجرائم الأخرى .وفى أواخر خمسينيات القرن العشرين ظهر آخر السفاحين السكندريين
محمود أمين سليمان الذى كتب عنه الفريد فرج ونجيب محفوظ وغيرهما .
ربط النقاد شخصية سعيد مهران – بطل اللص والكلاب – بشخصيات عالمية مثل جان فلجان
بطل البؤساء لفكتور هيجو . وعجوز هيمنجواى في العجوز والبحر ، وذلك من حيث مطاردة
المصير لكل منهم .
وسعيد مهران في شهوة الانتقام قريبا من هيثكليف بطل مرتفعات ويذرنج لأميلى برونتى
الذى سعى للانتقام من الأسرة التى أذلته صغيرا . وقريبا من أدمون دانت بطل " الكونت
دى مونت كريستو" لأسكندر ديماس الأب الذى انتقم من الذين كانوا سببا في سجنه
وحرمانه من حبيبته .
كانت شخصية السفاح – محمود أمين سليمان – في الواقع تافهة لا معنى لها ولا قيمة.
لمع صاحبها يوما ثم انطفأ وزال أثره فى الوجود . لكن أسبابا كثيرة تجعل نسبة كثيرة
من المصريين تنحاز إلى الذين يخرجون على الشرعية ويواجهون السلطة ؛ حتى وإن كانوا
على غير الحق . فالعديد من الأبطال الشعبيين أمثال : أدهم الشرقاوى وياسين – حبيب
بهية – وغيرهما ، كانوا مجرد خارجين على القانون أو قطاع طرق.لكن الظلم المتراكم من
السلطة جعل العديد من المصريين ينحازون إلى هؤلاء ويعجبون بهم . وأذكر بعد مقتل
محمود أمين سليمان ، وكنت قريبا من سكنه ، قرأت على جدران" العرضى " الذى تحول إلى
مساكن شعبية في حى محرم بك – قرأت عبارة { السفاح عاش بطل ، ومات بطل }
وترى الدكتورة فاطمة موسى أن محمود أمين سليمان لا يصلح بطلا لعمل فنى بالمعنى
الدقيق. وأنه كانت تسيطر عليه فكرة أن زوجته تخونه وقد وجب عليها القصاص. ولعل في
هذا سر عطف الكثيرين عليه فى حينه . ولم يثبت إن كانت زوجته قد خانته أم لا. أنه
كان واهما . لكن نجيب محفوظ جزم وحزم الأمر وأكد هذه الخيانة في روايته. فنحن نعلم
أن محمود أمين سليمان قد سيطرت عليه فكرة أن محاميه ، الذى تولى الدفاع عنه في
سرقاته والذى تزوره زوجته في مكتبه ، قد أقام علاقة آثمة معها .
في الوقت الذى يوصم نجيب محفوظ زوجة سعيد مهران بالخيانة ؛ يصور نور الغنية بصورة
بيضاء ناصعة . ومحفوظ ينحاز دائما إلى هذه الطبقة من الغانيات . ففى واحدة من قصصه
القديمة ، يصور غانية بطلة وطنية ، بينما شيخ المسجد ينحاز إلى الإنجليز ويخون
وطنه. ويظهر نجيب محفوظ مقدرة ودراية بتصوير طبقة الغانيات ويبرر عادة سقوطها
ابتداء من حميدة بطلة زقاق المدق، ونور بطلة اللص والكلاب وريرى بطلة السمان
والخريف . فنور مخلصة بلا حدود في مقابل الزوجة الخائنة والأبنة المتنكرة لأبيها
والصديق – عليش صدرة - الأشد فتكا من جميع الأعداء ، والمرتد رءوف علوان الذى حول
مبادئه إلى رطانة تبريرية.
نور تقوم بواجبات مهنتها في مثابرة يمليها عليها ضمير يقظ ، قانعة بالقدر والنصيب.
فهى تتعامل مع الزبائن بجدية وكأنه عمل تطهيرى . هي أشبه بفتيات الجيشا في اليابان
اللائى يضيفن إلى عملهن مسحة من القدسية ، وغاية سامية . فعندما يتعاملن مع رجال
الأعمال جنسيا ، يساعدونهم على الراحة والاسترخاء ، مما يؤدى إلى أن يعملوا بقدرة
أكبر على زيادة الإنتاج وبناء الاقتصاد الياباتى .
ميرامار والتنبؤ بالنكسة
ميرامار هي الرواية الوحيدة لنجيب محفوظ التى تدور أحداثها كلها فى الإسكندرية .
فرغم أن رواية اللص والكلاب مستوحاة من حادثة حدثت بالفعل في الإسكندرية . إلا أن
نجيب محفوظ أستحضر مدينة القاهرة عندما كتبها ، والإسكندرية فى السمان والخريف تبدأ
عندما يتقابل عيسى الدباغ مع ريرى أمام تمثال سعد زغلول الشهير على بحر الإسكندرية
. لكن في ميرامار نجيب محفوظ يعيش داخل البنسيون ، ولاشك هو يستدعى ذكريات قديمة
عندما كان يسكن بنسيونا مثل هذا ، أو ربما كان هو نفس البنسيون الذى كان ينزل فيه
نجيب عندما يأتى إلى الإسكندرية في وقت من الأوقات . بنسيون قواده أوشكت على
التقاعد في محطة الرمل - أكثر أماكن الإسكندرية حركة وبهجة وحيوية وزحاما - حيث
المسارح والسينمات والأنوار اللامعة الكاشفة والسهر حتى الصباح .امرأة يونانية عجوز
، ومقهى يونانى قديم في أسفل العمارة الضخمة الشاهقة التى تطالعك كوجه قديم . في
هذا المقهى كان يجلس الأعيان في الماضى يدخنون الشيشة كأمراءمتنكرين .كتب نجيب
محفوظ الرواية في خريف 1966 كاشفا عن خلل في التركيبة الاجتماعية رغم مرور أكثر من
عشر سنوات على قيام الثورة. والخلل في الطبقات الاجتماعية لم يعالج ، والصدع لم
يلتئم . صدرت رواية ميرامار قبل بضعة شهور من وقوع أحداث جسام وغزو خارجى أدى إلى
هزيمة يونيو 1967 .
كتب نجيب محفوظ الرواية في صورة الرباعية لكى يؤكد فكرة الانعزال التـــــى تعيش
فيه كل شخصية من شخصيات الرواية ، ويؤكد انفصال الشخصيات الأربع . وعدم التوافق
والتئام لكل طبقة تمثلها الشخصية . أو أن كتابة نجيب محفوظ لأول رواية كاملة عن
الإسكندرية جعلته يستحضر رواية رباعية الإسكندرية للورانس داريل الشهيرة . فأخرج
الرواية بهذا الشكل القريب جدا من شكل الرباعية الذى اعتمد على سرد الأحداث من خلال
رؤية كل شخصية من شخصياته الأربع : جوستين وبلتازار ومونت أوليف وكليا .
ولقد اجتمع داريل ومحفوظ في تصويرالطبيعة والمكان في الإسكندرية بوصف قريب .
فالنغمة المميزة التى يوردها الكاتب في مفتتح حديثه عن عامر وجدى قريبة من اللغة
الشعرية التى يتحدث بها داريل عن الإسكندرية .
لم يصور داريل الحياة في مصر بقدر ما صور حياة الجاليات الأوربية التى تعيش في مصر
. وبنسيون نجيب محفوظ لا يضم سوى الذين جاءوا من خارج الإسكندرية . وعادة ما
يكونسكان الفنادق والبنسيونات من خارج المدينة التى يقع فيها الفندق أوالبنسيون .
ولكل من الرواة الأربعة نغمته المميزة التى يوردها الكاتب في مفتتح حديثه . فعامر
وجدى يقول: الإسكندرية قطر الندى ، نفثة السحابة البيضاء ، مهبط الشعاع المغسول
بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع( ومن هذه الجملة أخذ اسامة أنور
عكاشة اسم مسلسله التليفزيونى المشهور – الشهد والدموع - )أما حسنى علام – الشاب –
الباحث عن المتعة ، والهارب من جدية الحياة التى لا يقدر عليها، فيقول : فريكيكو لا
تلمنى .
وسرحان البحيرى : هاى لايف ، معرض أشكال وألوان مثير للشغب .
والمضيفة في البنسيون – ماريا – بلا أبناء نتيجة لعقم زوجها وعقم عشاقها الكثيرين ،
تؤمن بالحب وتذيبها الأغنيات العاطفية الحالمة وتقدم لكل نزيل يصطحب امرأة سريرا
بأسعار لا تبارى ، وهى في ذلك مثل " غلمة " التى يضرب العرب بها المثل في الزنا .
فيقولون " أزنى من غلمة " . فغلمة بعد أن أصبحت غير قادرة على ممارسة الحب ؛ جاءت
بالخراف وجعلتها تمارس الحب أمامها لتتلذذ هي من رؤيتها .الرجال يأتون إلى البنسيون
من بعيد : طلبة مرزوق الذى أطاحت الثورة بفدادينه الألف فأشعرته القاهرة بهوانه بعد
أن كان وكيلا لوزارة الأوقاف. جاء هاربا من الريف الذى شهد سطوته وغناه ، وهربا من
القاهرة – أيضا – إلى عشيقته القديمة – ماريا –عله يستعيد لحظة من لحظات الماضى
التى ولت .
طلبة مرزوق شبح من أشباح الماضي ، فهو موضوع تحت الحراسة لمواقف وأعمال غير شرعية
فعلها . وهو يرى أن الأعتداء على ماله اعتداء على كون الله وسنته وحكمته . يبحث عن
الدين فقط للدفاع عن ماله . وفى غير هذا – هو – داعر مستهتر لا يتورع عن العبث دون
اعتدال. ويرى أن سعد زغلول كان السبب في كل ما آلت إليه الأحداث . فهو الذى بذر
بذرة الثورة الخبيثة التى نمت وأتتثمارها في يوليو 1952 .وعامر وجدى صحفى في
الثمانين ، أعتزل العمل وجاء إلى البنسيون لأنه لا يعرف مكانا أفضل يذهب إليه . هو
لم يخلف ذرية أو حتى ذكرى . وهو يعشق سعد زغلول ويكاد يقدسه ( بعكس طلبة مرزوق)
واعتقد أن نجيب محفوظ – هو الآخر – يحب سعد زغلول إلى هذه الدرجة . فقد حكى لى
الأستاذ يوسف القعيد أنه بكى فور موت جمال عبد الناصر في حضور نجيب محفوظ . فقال
محفوظ دون أن يتأثر بشيء : لقد بكيت بعد موت سعد زغلول ، ولست على استعداد أن أبكى
على زعيم غيره .عامر وجدى خصه نجيب محفوظ بمساحة كبيرة من صفحات الرواية – فهو يشغل
أكثر من 3/1 الرواية – وذلك لعدة أسباب أهمها : أنه صحفى وكاتب ذو بلاغة في الأسلوب
، وعمله الكتابة والتأمل والتعليق على الأحداث . ومن الطبيعى أن يكتب عما يراه في
البنسيون الذى يعيش فيه . واعتقد أن شهادته كانت من هذا المنطلق. فقد كان مجرد
متابع ، ودوره في الأحداث غير مؤثر .كما أنه رجل معتدل ، ليس مغاليا في كره الثورة
كطلبة مرزوق ، ولا منفلت أخلاقيا كحسنى علام . ولا انتهازيا كسرحان البحيرى . ولا
مغاليا في رومانسيته كمنصور باهى .
عامر وجدى – رغم معاناته الآن – مازال يحب هذا البلد ويدافع عنه . تعدى عامر وجدى
الثمانين وابتعد عن القاهرة – مركز التوهج والإعلام - التى تذكره بأنه قد شاخ ولم
يعد قادرا على مسايرة الصحفيين الجدد . فهو – في رأيهم – يحمل جسدا محنطا يخفيه تحت
بدلته السوداء التى اشتراها في عهد النبى نوح .هروب عامر وجدى من القاهرة أمر طبيعى
لمن هم على شاكلته . فأعرف كاتبا كلما سافر إلى القاهرة أصيب بحالة نفسية سيئة
لأنها تذكره بما حـــــــد ث لـــــه أيام كان موظفا بها . وأعرف آخرا ؛ أبتعد عن
زملائه الذين بدءوا معه الكتابة ، لأنهم يذكرونه بأنه لم يستطع أن يكمل المشوار
مثلهم .
مازال عامر وجدى يكتب ببلاغة وإطناب وجزالة عصر المنفلوطى . ورئيس التحرير يريده أن
يكتب بلغة جديدة تصلح لراكبى الطائرات .
يأتى عامر وجدى إلى بنسيون كان يأتيه أيام عزه ونجوميته كصحفى وسياسى . أيام كانت
المرايا والسجاجيد الفاخرة والقناديل المفضضة وأيام كانت الإسكندرية أنظف مدينة في
العالم.
هناك نقاط تشابه بين عامر وجدى ونجيب محفوظ – الذى لم يتحمس مثله للثورة – لكنه
أيضا ، لم يناصبها العداء، ولم يدفعه عدم تحمسه لها أن يكره بلده أو لا يبارك
خطواتها . ومثله ، قضى عمره محبا لسعد زغلول إلى حد بعيد . لقد جاءت ثورة يوليو
فامتصت خير ما في التراث التاريخى وأنهت خبرة عامر وجدى السياسية . نجيب محفوظ من
هذا الجيل الذى وجد الثورة قد حققت أقصى ما كانوا يحلمون به ويطالبون بتحقيقه
بالنسبة للعدالة الاجتماعية ، وطرد المستعمر واعتناق موقفا قوميا تجاه مصر والعرب
وقد لاحظت أن العديد ممن عايشوا سعد زغلول يحبونه إلى درجة حب عامر وجدى ونجيب
محفوظ له ، فهم يدينون بالولاء له رغم مرور السنوات الطوال على موته . ففى البرنامج
التليفزيونى الشهير : " النهر الخالد " الذى قدمه المرحوم سعد الدين وهبه مع
الموسيقار الخالد محمد عبد الوهاب . تحدث عبد الوهاب عن سعد زغلول حديث العاشق
المتيم المعجب ، والذى مازال يحفظ كلماته ويذكر تصرفاته . حسن علام – ثالث هؤلاء
الرجال الذين اجتمعوا في البنسيون ، إنه يعيش في الماضى ، حيث الأهمية تأتى في
المقام الأول للمال والحسب دون النظر إلى الدرجة العلمية . لكن ثورة يوليو 52 شجعت
التعليم وأقامت أكثر من جامعة حتى في الصعيد ، فتغير الحال ، ولم يعد الرجل الغنى
غير المؤهل مطلوبا ولا مهما . فرفضت الفتاة الجميلة ذات العيون الزرقاء زواجه .
رابع هؤلاء هو سرحان البحيرى -- الشاب الريفى الذى جاء من أسرة متوسطة تمتلك رقعة
صغيرة من الأرض . أستغل ما أعطته الـــــــثورة لـــــه ؛ فأكمل تعليمه وحصل على
بكالوريوس التجارة وعمل وكيلا للحسابات في شركة الغزل بالإسكندرية .
سرحان البحيرى هو المناقض لشخصية حسنى علام من حيث التكوين الطبقى ، كلاهما من
الريف . أحدهما من أسرة كبيرة لكن دون مؤهل ، لو لم تقم الثورة لظل حسنى علام هو
الأهم ، ولسعت إليه أسرة الفتاة – ذات العيون الزرقاء – وغيرها من الأسر الكبيرة ؛
تطلب مصاهرته.
لقد حظى سرحان البحيرى بدراسات عديدة وأصبح نموذجا للانتهازي مثل يوسف السيوفى بطل
الرجل الذى فقد ظله لفتحى غانم ، كلاهما أخذ قطاعا عظيما من الاهتمام النقدى، حتى
جعلا الكتابة عن الانتهازية صعبة جدا ، مثلما أصبحت الكتابة عن البخل والبخلاء صعبة
بعد البخيل لموليير . فإن صورت شخصية انتهازية في قصة أو رواية قالوا إنك تأثرت
بيوسف السويفى ، أو تأثرت بسرحان البحيرى ، وإن صورت شخصية بخيلة قالوا إنك تأثرت
ببخيل موليير
سرحان البحيرى هو الممثل للطبقة التى تجدها في كل الثورات . يعمل صانعو الثورة ، ثم
يأتى هؤلاء لجنى ما زرع الآخرون . هو رئيس لجنة الاتحاد الاشتراكي في المصنع . يسرق
البضائع ويبيعها لحسابه مستغلا موقفه السياسي .
حسنى علام يكرهه لأنه يمثل الطبقة الجديدة التى أزاحت طبقته . " كرهته في تلك
اللحظة ، به لهجة ريفية خفيفة لصقت به كرائحة طعام في إناء لم يحسن غسله "
ويكرهه منصور باهى لأنه في رأيه يدعى الوطنية والاشتراكية لأجل تحقيق غاياته، بينما
منصور باهى يضحى بأشياء كثيرة من أجل غاية يحلم بتحقيقها .
منصور باهى أعلن ارتداده عن الماركسية فأفلت من السجن بعد أن أرغمه أخوه – ضابط
الداخلية – على ذلك ، فهجر القاهرة وانتقل من مذيع في إذاعة القاهرة إلى إذاعة
الإسكندرية
منصور باهى شخصية هادئة حالمة في صراع دائم بين ما يمليه عليه ضميره وواجبه ، وبين
سيطرة أخوه الكبير عليه وانصياعه له ، ثم ندمه على ذلك .
كل نزلاء البنسيون يميلون إلى زهرة . تلك الزهرة البرية التى هربت من قريتها في
البحيرة بعد وفاةوالدها لأن جدها أراد أن يزوجها لعجوز تخدمه .
عامر وجدى لا يرغب فيها جنسيا ، ويشاركه في هذا منصور باهى الذى يعجب بجمالها
وطيبتها ويدخر لها البسكويت في الحجرة ليعطيه لها عربونا للصداقة .
زهرة أحبت عامر وجدى كوالدها ، وهو يخاف عليها ويحس بالخطر الذى يحيق بها فينصحها
بأن تحتاط . وعندما اكتشفت زهرة خيانة سرحان البحيرى لها واجهته . ثار منصور باهى
واعتبر سرحان عدوه اللدود ، بصق في وجهه صارخا :
-على وجهك ووجه كل وغد وكل خائن .وعرض باهى عليها الزواج لكى يمنع العذاب عنها .لقد
انحاز نجيب محفوظ إلى منصور باهى واعتبره أكثر طهارة من الجميع في البنسيون . فعامر
وجدى – الطيب – يكتفى بالمتابعة ، حتى دفاعه عن زهرة كان دفاعا سلبيا . لكن منصور
باهى الوحيد الذى واجه الخائن وقتله نظير خيانته لها ، وسأجاسر وأقول أن نجيب محفوظ
لم يكن منحازا للماركسية حقا ، وإنما أراد أن يغازل النقاد الذين كان معظمهم من
الماركسيين في ذلك الوقت ، لكى يحتفوا بروايته ، وأعطاهم المفاتيح التى تجعلهم
يقولون إن زهرة هي مصر . فهو قادر على أن يصنع هذا ؛ يعبر عن أشياء غير صادق
بالإيمان بها ويصنعها بمهارة وحذق. وهذا ليس جديدا . فقد فعل المتنبى وغيره من
شعراء العرب الكبار هذا ، كانوا يمدحون ملوكا وأشخاصا ، وفى الحقيقة هم يكرهونهم
ويبدون عكس ما يخفون ، وتأتى أشعارهم غاية في الفن والجودة
زوار الإسكندرية والذاكرة المحفوظية
لقد أختار نجيب محفوظ شخصية السفاح السكندرى الشهير محمود أمين سليمان وكتب عنه
اللص والكلاب ، لكنه أعطاه بعدا فلسفيا أبعده عن الإسكندرية كمكان ، وعن البطل
كشخصية سكندرية ، فصار سعيد مهران شخصية من الممكن أن تجدها في أى مكان في العالم
،وفى السمان والخريف جاء عيسى الدباغ إلى الإسكندرية كزائر ، أو كهارب من ماضيه
ليلتقى بريرى التى لا تبعد كثيرا عن نور في اللص والكلاب . وعن حميدة في زقاق
المدق.
وفى بنسيون ميرامار اجتمع الجميع فيه ضيوفا على الإسكندرية ، صاحبته ماريا جاءت من
اليونان ، وعامر وجدى وطلبة مرزوق جاءا من القاهرة . وكذلك فعل منصور باهى . أما
سرحان البحيرى وزهرة فقد جاءا من قرية من قرى البحيرة . كل أبطال نجيب محفوظ جاءوا
من خارج الإسكندرية . هو لم يقدم شخصية سكندرية واحدة ذات ملامح سكندرية واضحة .
المراجع:
العالم الروائى عند نجيب محفوظ – الأستاذ/ ابراهيم فتحى
نجيب محفوظ وتطور الرواية العربية – الأستاذة الدكتورة فاطمة موسى
دراسات فى القصة العربية الحديثة – الأستاذ الدكتور/ محمد زغلول سلام . |
|
|
|
|
|