نجيب محفوظ .. نهار لا يغيب

 
وائل وجدي

رغم أنني كنت أتوقع وفاة المبدع الكبير نجيب محفوظ ، بين لحظة وأخرى إلا أنني - فور سماعي الخبر - تسربلني حزنًا عميقًا ؛ جعلني أصاب بحالة من الصمت والخرس..
أني أحب ؛ هذا الرجل الفنان ؛ الذي أرسى فن الرواية ؛ بعد أن كانت إرهاصات ، هشة .. نحت في الصخر ؛ لم يهتم إلا بإبداعه ؛ دون الالتفات إلى أي شيء آخر .. يكتب ويكتب ؛ تاركًا الاهتمام بما يكتب عن إبداعه خلف ظهره .. سعادته في الإبداع ، وتطوير ما يكتب .. الالتزام والانضباط ؛ هو نهجه الذي سار عليه ؛ طوال عمره المديد ؛ حتى رمقه الأخير .

 
البعض ؛ لا يحبونه من أجل أفلام حسن الإمام ؛ الذي حول ثلاثيته إلى تاريخ لراقصات شارع محمد علي ؛ ونأى بشريط الفيلم عن الهدف الأساسي ؛ لهذه الرائعة ؛ وكل من يشاهد – هذه الأفلام – يلعنه ويكرهه ؛ رغم أن مبدعنا الكبير – الراحل – دأب على قول أن العمل السينمائي ملك صانعيه ؛ من سيناريست ومخرج.
لم يفطن هؤلاء ؛ أن رؤيتهم قاصرة – ضيقة – كان حريًا بهم ، أن يقرأوا العمل المطبوع ؛ ثم يدلوا برأيهم.
كان يتحلى بإرادة فولاذية ، وصبر وإيمان عميقين ، رغم ما جابهه شيخنا الجليل نجيب محفوظ - رحمه الله - من جراء ضربة السكين في رقبته - من أحد الموتورين - في أوائل التسعينات من القرن المنصرم ؛ إلا أنه لم يستسلم ، ألبتة ؛ ودرب أصابعه على الأمساك بالقلم ؛ حتى استطاع أن يكتب اسمه ؛ ويوم بعد يوم استطاع أن يكتب حروفًا مقرؤه ؛ وساعده على ذلك صديقه والعالم النفسي الدكتور يحي الرخاوي ؛ كي يربأ صدع حادث الإعتداء الأليم .. وبعد ذلك ؛ كتب أديبنا الكبير نجيب محفوظ " أحلام فترة النقاهة " ، ونشرت في مجلة " نصف الدنيا " ؛ ومصاحبة لها لوحات الفنان التشكيلي - المتميز - محمد حجي ؛ وعندما لم يستطع أن يكتب أحلام فترة النقاهة بيده ؛ أضحي يقوم بإملائها على الحاج صبري السيد - سكرتيره الخاص - ومن هنا يبن أن المبدع الكبير ؛ لم يقلع عن الكتابة ؛ كما أدعى البعض .
وأخيرًا - وفي هذه السطور التي لن تفيه حقه - أقرر أن ما قيل عن رواية " أولاد حارتنا "

؛ كان نتيجة للفهم الخاطيء ؛ وتفسيرها بمنطق ؛ يبعد عن الرؤية الأدبية للعمل الروائي .. الأصوب أن ينظر لها كعمل روائي ؛ محمل برؤى فنية ؛ ومن الخطأ - الفادح - أن نحملها أكثر من ذلك ؛ ونخرج منها ما ليس فيها .. في أحايين كثيرة يكتب الكاتب قصة ما ؛ ويجيء الناقد برؤية وتخريجات ؛ تبعد كلية عن تفكير الكاتب ورؤاه ، وتسقطها على مناح لم يقصدها المبدع بأي حال من الأحوال ؛ وهذا ليس ذنب الكاتب ؛ لكنها رؤية الناقد ؛ الذي جنح بقلمه عن الرؤية الصائبة .
وأخيرًا - أيضًا -؛ لم يعجبني في برنامج تليفزيوني - أذيع بمناسبة وفاة المبدع الكبير – إصرار المذيع عن سؤال أحد ضيوفه ؛ عن علاقة نجيب محفوظ بالدين ؛ أي أنه يلمح ما زعمه - البعض - فرية كفره .. من يقرأ أعماله برؤية صائبة ؛ يجد الإيمان ، مبثوثًا في ثنايا العمل الإبداعي ؛ ومن يريد أن يطلع علي دراسة نقدية ، تعكف على الروحانيات في أدب نجيب محفوظ ؛ عليه أن يقرأ كتاب الدكتور حسن عبد الله ؛ والذي يخصصه لهذا الجانب من إبداع الكاتب الفذ. إضافة إلى تساءل ؛ أتركه إلى من يدعي ؛ هذه الفرية .. هل تستطيع ان تشق قلب أي إنسان ؛ وتعرف كينونة هواه من الإيمان من عدمه.. هذه أمور غيبية ، لا يعلمها إلا الله - سبحانه - فهو المطلع عما في خبايا الصدور .
رحم الله أديبنا الكبير نجيب محفوظ - الذي علمنا كيف نكتب ونبدع- وتغمده – سبحانه - بواسع رحمته.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان