نجيب محفوظ ... وأنا

 
 منى الشيمى

 نجيب محفوظ ، اسم قد يحمله الكثيرون ،
 (حمل نجيب محفوظ الاسم تقديرا للطبيب الذى أخرجه إلى العالم) ، إذن فقط حمل الاسم قبله أشخاص كثر وسوف يحمل هذا الاسم كثيرون من بعده ، بالطبع سيكون نجيب محفوظ الذى عرفناه هو الحد الفاصل بين السابقين ومن سيأتون لاحقا ( تيمنا بالاسم أو تكريما له ولمن سيحملونه ) وسيظل السؤال : هل سيبدع منهم كما أبدع محفوظ ؟ وهو الذى يرد إبداعه إلى كونه وليد حضارتين فقال يوم تسلمه جائزة نوبل 1989 فى الأكاديمية السويدية : "أنا ابن حضارتين ، الحضارة المصرية القديمة والحضارة الإسلامية " .
 

 لن أتحدث عن انجازاته فهى معروفة لدى الجميع ، وتغطى صفحات الإنترنيت / الكتب /الجرائد ، هذا الجانب ، بل سأتحدث عن نجيب محفوظ الذى كان مشكلا لصفاتى ومحركًا - كما الدفة فى المركب - لتوجهاتى ، وبانيًا - يرص مداميكه بفنية وحرفية - لفكرى وآرائي ، ربما يتناول علماء النفس دور الأم فى تكوين فكره ، ويتناول علماء الاجتماع طبيعة الحياة السياسية التى عايشها فى تكوين آرائه ، وربما يرجع علماء الفلك إبداع نجيب محفوظ لبرج القوس ، لكنه حظى بموهبة لست هنا بصدد الحديث عن أسباب وجودها فيه/ واستغلاله لها .بل لكى أوضح الأثر العميق الذى تركه نجيب محفوظ فى ملايين القراء عامة وآلاف الكتاب خاصة، الأثر الذى شكلنى ضمن من شكل .
 


كنت فكرة لم تخرج لحيز التنفيذ فى علم الغيب حينما ولد محفوظ عاش سنوات كثيرة قبل أن أوجد ، بل كان عام ميلادى هو العام الذى عين فيه محفوظ مستشارا لوزير الثقافة ، أنجز قبل مجيئى إلى هذا العالم ما لا يعد ولا يحصى لذا أتهيب عند الكتابة عنه ، كنت محظوظة لأنى وهو ننتمى لموهبة واحدة ، كتابة الرواية ، كنت محظوظة لأن عقودا واحدة ضمتنى معه رغم أنى لم أقابله أبدا ، فقط ظللتنا سماء واحدة وتنفسنا الهواء نفسه ، وظل حلم مقابلتى له يراودنى حتى سمعت خبر وفاته ، لكنى التقيت به كثيرا بطرق غير مباشرة ، لقد كتب محفوظ رواياته ، فلما قرأتها كان هذا موعدا بينى وبينه ، موعد على الورق ، وكان كريما فلم يقل لى مرة " أنا مشغول " ، بل كان الكتاب يفتح بيسر ، والكلمات تقرأ بسهولة ، والأفكار تجد طريقها إلى وتفعل فعلها فى ، وكلما اشتقت لأفكاره أضرب موعدا ، وأهيئ نفسى لقراءة نجيب محفوظ ، حقا أحزن لخروجه إلى النهار ( على حد تعبير أخبار الأدب ، والأستاذ جمال الغيطانى تحديدا ) ( وهى فكرة مصرية قديمة تقول أن المتوفى لا يتلاشى بل يخرج على النهار / العالم الآخر ) لكنه يبقى معنا دوما ويطل علينا من نوافذ غير مرئية بالقوى البشرية .
وحصل نجيب محفوظ على نوبل فى الآداب قبل أن أدخل حلبة الأدب ، قبل أن أمسك قلم إبداعى ، وشاهدت صور التلفاز وهو يكرم من العالم كله ، ودموعى تتساقط من الفرحة ، أديب مصرى ينال جائزة نوبل ، الآن ستطرق الثقافة المصرية عقول القراء فى شتى بقاع الأرض ، كنت محقة عندما أعجبنى نجيب محفوظ قبل أن ينال هذه الجائزة ، كان الرجل يسير فى الطريق الصحيح إذن ، ذلك الرجل صاحب الحسنة الكبيرة على وجنته ، الذى كان والدى يثبت المحطة إذا ما وجده يتحدث عندما كنت طفله ، فلما سألت والدى من هذا الشخص قال : " نجيب محفوظ .. أديب مصر العظيم " لقد حصل نجيب محفوظ على جائزة تقدير من كل مصرى قبل أن يحصل على الجائزة الكبرى من لجنة تقييم نوبل للآداب .
ورحل نجيب محفوظ قبل أن ألتقيه ، وكنت أتمنى أن ألتقيه وأحظى كما يحظى كتاب كثيرون( الحرافيش كما أطلق عليهم نجيب محفوظ ) بجلسة معه ، بمناقشة معه ، بأن أقرأ عليه بعضًا مما كتبت ، برأى ينير طريقى ، بتشجيع لا يقدمه لنا أحد من كبار الساحة الأدبية . بعطف اشتهر به ، لكن محطاته الكثيرة كانت أيضا أحداثا تاريخية يؤرخ بها الكتاب المبتدئين أحداثهم الصغيرة ، فلقد طبعت كتابى الأول فى عمر نجيب محفوط المديد ، وشرعت فى كتابة روايتى الثانية ، ونجيب محفوظ يحرص على حضور ندوته الأسبوعية ، ونشرت قبل وفاته بشهرين ، واستقيت معلوماتى عن موضوع معين من رواية ما من رواياته .
كل تلك الروايات ، كل الشخصيات ، والأحداث ، المشكلات والقضايا ، الخبايا والأسرار ، من منا لا يكتب الآن وأفكار نجيب محفوظ لا تراوده ، لا أقصد السرقة ، لكن الكتابة نتاجا خفيا للقراءة ، للقناعة السابقة بفكرة ما تولدت من قراءة سابقة ، إن نجيب محفوظ فى كتاباتى أيضا وليس فى قراءاتى فقط .
لم أعش فترة ثورة 1919 لم أعرف سعد زغلول إلا من خلال الثلاثية ، لقد قرأت كثيرا عن ثورة سعد زغلول لكن ما رسخ فى ذهنى عنها تلك الصور التى جسدها نجيب محفوظ فى أعماله عنها والتى جسدتها بكل براعة الثلاثية ، التاريخ صعب استيعابه ، لكن الرواية التاريخية تسهل الأمر كثيرا وهو ما قام به نجيب محفوظ بعفوية يحسد عليها ، كان بارعا فى تمرير الأحداث التاريخية عبر رواياته الاجتماعية وهو أمر لم ينجح فى تحقيقه من الأدباء سوى القلائل ، لست هنا بصدد الدراسة ولكن ما أكتبه مجرد انتماء لرجل له فضل لم يطالب به ولم يتعال به على من هم أقل منه فى الموهبة والعطاء .
سبق نجيب محفوظ الحداثيين عندما كتب الأدب الواقعى ، حينما جسد الصور التى عند قراءتها أشعر كما لو كنت أقرأ حياتى، واخترق ستور السياسة عند كتابته الكرنك ، وقلب لافتة ممنوع الكتابة وداس عليها عند كتابته روايته السراب وجسد طبقات المجتمع المصرى فى بانسيون ميرامار ، واختزله فى عوامة على النيل بثرثرة واعية ، ونكأ جرحه فى مواسم السمان والخريف ، ودعى إلى الحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان فى كل كتاباته .
الكتابة عن نجيب محفوظ تستلزم – على الأقل – الوقت الذى استغرقته كتابة رواياته ، تستلزم حرفية توازى حرفيته فى صناعة الجمل وتصوير الصور ، قال محمد سلماوى :" فى كلمة ألقاها بعد وفاته " رحل من صنع بالكلمات أجمل المعاني وقدم أرقي الأفكار.. هو الذي بعث الحياة في الحروف الصماء فنطقت في أعماله بحب مصر والمصريين، وبعشق حارات أحيائها القديمة وأزقتها " .الكتابة عن محفوظ تستلزم حديثا يمتد ليشمل الصباح والمساء ، يعم ليشمل أحياء القاهرة من خان الخليلى حتى بين القصرين ، يستلزم ألف ليله وليلة ، لذا يراودنى السؤال من جديد " هل أمتلك الكفاءة للكتابة عن نجيب محفوظ ؟ " . ربما لا أمتلك الكفاءة وأدوات البحث ، لكنى أمتلك الحب الكافى
ستظل الساعة الثامنة وخمس دقائق من صباح الأربعاء الموافق 30 أغسطس 2006 عالقة فى ذهنى ، المذيعة الشابة وهى تعلن النبأ / المكان الذى كنت أجلس فيه عندما سمعته / رائحة الحدث / إغماضة عينى ودموعى التى تساقطت فى صمت / رسالتى القصيرة التى تركتها فى الأيميل لأديب وكاتب شهير يتابع أعمالى ويشجعنى : " مات نجيب محفوظ " ومن غير الكتاب والأدباء لأبثه تعازىّ!! ، تمنيت إلا يكون هناك لغط حول مراسم تشييع جثمانه ، أن يتوحد اللون والرأى لدقائق حتى يخرج من الكتاب المقروء لكتاب آخر لم يقرأه أحد بعد ، أحب نجيب محفوظ القاهرة / وهى مصر المختزلة فى مدينة ، وكان يحب أن تودعه القاهرة بصورة أخرى غير ما حدث ، ولا أعرف ما هى هذه الصورة الأخرى فلهذه المواقف رجال تخصصوا فيها ، لكنى أتمنى لو تحولت ذكرى رحيله إلى يوم مصرى /عربى ندعو فيه أبناءنا إلى الكتابة ، إلى الإبداع ، علّ نجيب محفوظ آخر يولد من جديد ! .

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان