|
أرجو ألا يتوقع القارئ مني أن أكتب عن
أدب نجيب محفوظ فهو أدب موسوعي مازال يحتاج إلى دراسات متخصصة ومتعمقة رغم كل ما
كتب عنه من دراسات لا أول لها ولا آخر وأطروحات للدكتوراه والماجستير، فأنا أعتقد
أن نجيب محفوظ مازال في حاجة إلى الاكتشاف من جديد في كل عصر وعبر الأجيال. أرجو
كذلك ألا يتوقع القارئ أن اكتب عن حياة نجيب التي تغطي تقريبا ما يقرب من قرن من
الزمان وسوف تمتد إلى ما شاء الله عبر ما كتب من أعمال كلما قرأها الإنسان مرة وجد
فيه الجديد. لكنني سأكتب عن نجيب برؤية إنسان مصري شكل وعيه أدب نجيب محفوظ وكان من
حظه أن عاش عصر نجيب محفوظ.

أول احتكاك لي بنجيب محفوظ حين كنت تلميذا بالمدرسة الابتدائية. اشتريت كتابا
مستعملا من شارع النبي دانيال بالإسكندرية. شارع النبي دانيال صورة مصغرة من سور
الأزبكية بالقاهرة. كان الكتاب عبارة عن رواية باسم "زقاق المدق". جلست لأقرأ
الرواية فشغلتني كثيرا وبهرتني لدرجة أنني رأيت حميدة من لحم ودم تتحرك أمامي وكذلك
الدكتور بوشي صانع العاهات وكل شخصيات الرواية التي استفزتني واستقرت في وجداني. لم
أتفهم الرواية إلا بعقل طفل في العاشرة أقل أو أكثر قليلا. اهتممت باسم المؤلف نجيب
محفوظ الذي كنت أسمع عنه لأول مرة وكنت أبحث في شارع النبي دانيال عن أعماله فكان
العمل الثاني الذي صادفني هو "بداية ونهاية". كانت هاتان الروايتان بداية لتعلقي
بأدب نجيب محفوظ.

وفي قراءة تالية لزقاق المدق بعد أن اكتمل وعيي عرفت أن هذا الزقاق كمعظم أعمال
محفوظ شديد المصرية شديد المحلية ولكن الرواية تدور في أفق من العالمية والفلسفة
الإنسانية. فكما تعرض لتأثر عائلة مصرية تقليدية في حي بين القصرين بالحرب العالمية
الأولى، فإنه في زقاق المدق يبين مدى تأثر حارة مصرية بسيطة بالحرب العالمية
الثانية وكيف أن حميدة البنت البسيطة بنت الحارة تحولها الحرب ووجود جنود احتلال
إلى عاهرة عن طريق قواد يفرش لها الأحلام ورودا لتتمرد على وضعها فتسقط في شباك
الرذيلة.
إذن نجيب تقرأه في كل سن وتفهمه حسب درجة الوعي. نجيب تخطى الأجيال وشكل وعي كل
المصريين الذين يقرءون عن طريق القراءة والذين لا يقرءون عن طريق أعماله التي حولت
إلى أعمال سينمائية أو تلفزيونية، بالرغم أن نجيب كان يردد دائما أنه ينسب إليه فقط
النص المكتوب دون السينما أو التليفزيون أو المسرح، إلا أن أعمال نجيب كانت تربة
خصبة لإنتاج الكثير من الأعمال المرئية.
أنا أعتبر نفسي محظوظا أن عشت عصر نجيب محفوظ، فمحفوظ كان عصرا ذهبيا من العطاء
والإبداع شكل وعي أكثر من جيل. وكان متفانيا في عمله ومتفردا في إبداعه. أستطيع أن
أقول دون أن أخطئ كثيرا أن أنفاس نجيب تجدها في معظم أعمال روائيينا. إنه المدرسة
التي تخرج منها معظم كتابنا. بل أستطيع أن أقول دون أن أكون مبالغا أن بعض فنانينا
التشكيليين قد رسموا شخصيات رواياته في أعمال فنية عديدة.
المكان بالنسبة لنجيب محفوظ كان البطل بل أنه خلد القاهرة الفاطمية كما خلد ديكينز
شوارع لندن وباريس. المكان هو مصر هو الوطن من الزقاق (زقاق المدق) إلى الحي ( بين
القصرين، خان الخليلي) وفي مرحلة تالية كان المكان غريبا مثل العوامة في ثرثرة فوق
النيل والبنسيون في ميرامار. العوامة هنا والبنسيون كل منهما يضم مجتمعا مصغرا
لاتخطئ العين أنه مجتمع مصر. حين يكتب محفوظ عن المكان يكتب عنه من خلال الزمن؛
تتابع الأجيال في الثلاثية وفي الحرافيش وفي أولاد حارتنا وفي حديث الصباح والمساء
يكشف عما يشغل بال نجيب في الزمن وهو المصير مصير الإنسان وهو يسبح بين أمواج
الحياة المتلاطمة.
يلفت النظر كثيرا أن نجيب محفوظ عاش فترة طويلة من حياته لم يكن الأدب خلالها يعود
عليه بعائد مادي يذكر، لكنه كان مثابرا على فنه يعطيه حياته حتى أخرج لنا هذه
الروائع التي ستظل في المكتبات تشرق وفي القلوب تضئ. لم يتعامل محفوظ مع فنه على
أنه عمل ثانوي فهو كما نعرف جميعا كان مشغولا بلقمة العيش ورغم ذلك كان يأخذ فنه
بجدية شديدة وكان يقرأ أو يكتب يوميا لعدد من الساعات تكاد تكون محددة.
يخطئ كثيرا من يقول أن نجيب لم يكن له موقفا سياسيا فأعماله كلها مواقف سياسية.
مواقف تنسجم مع ما كان يؤمن به من حرية وانحياز للإنسان كقيمة حياتية. فمنذ أعماله
الأولى التي اختار لها أن تدور في مصر الفرعونية(كفاح طيبة/ رادوبيس) إلى أعماله
المتوسطة والأخيرة من اللص والكلاب على ثرثرة على النيل إلى الحرافيش دون ترتيب هي
مواقف سياسية بالدرجة الأولى.

وأخيرا رحل عنا نجيب ولكنه باقي بأعماله العظيمة التي بهرت أجيالا من الناس وصنعت
أجيالا من الأدباء والفنانين وسيعيش نجيب متجاوزا وطنه ومتخطيا عصره كما عاش
العظماء مثل شكسبير وديكنز. |