الذات و المجتمع و الوجود
مقارنة بين غراهام غرين و نجيب محفوظ

 
بقلم : صالح الرزوق

ليس هنالك أي تشابه دلالي مقصود بين نجيب محفوظ و غراهام غرين ، مع أنهما في سلة واحدة من وجهة نظر إيديولوجية ، بمعنى من ناحية تداول الأفكار و تطويرها. لقد كان اهتمامهما مركزا على نوع من القضايا الإيمانية  و التي تبدأ بالشك و تنتهي بالتفتيش عن اليقين. و هذا إما بطريقة العرفان الغنوصي ، لاكتشاف ما هو مستور وراء آفاق الواحد الجوهري ، أو بواسطة محاكاة الواقع رموزيا ، و تبديل الصورة إلى كنايات أو استعارات عن مفاهيم حول مسائل النشوء و التكوين.
غير أنه بمقدورنا دائما أن نرى في ( بندقية للبيع ) و هي رواية مبكرة لغراهام غرين ( صدرت عام 1936 ) ، و اللص و الكلاب التي دشن بها محفوظ المرحلة الثالثة من بيته الروائي ( و هذه صدرت عام 1961 ) شيئا من التقابل بالتوازي على عدة أصعدة ، البنيان و خط الأفكار ثم المرامي البعيدة للذات
( المعزولة ) ، أو التي تتحمل نظريا أعباء اغتراب إيماني و ديالكتيكي.
* لقد اختار الروائيان حبكة جنائية ، و لكن المضمون كان يذكرنا بأول صراع في تاريخ البشرية ، صراع الأخوة الأعداء. كان المضمون تراجيديا إذا ، و له آفاق ميثيم – أو أسطوريم ، و القوة الدافعة من ورائه هي الغدر ( في كلتا الحالتين ) ، ثم ضرورة الانتقام ليس لتحقيق العدالة ، و إنما لخلق الانسجام الشخصي مع العالم ، أو للمصالحة مع الذات.
* و قد كان مقدرا لهذه الحبكة الأصلية ذات الدلالة الأحفورية ( حسبما شاء فوكو أن يسميها ) أن تصعد ، بالأحرى أن تتصاعد من مستوى أدنى إلى منطقة تتبع ( اصطلاحا ) عالم الشعور ، و مجالات الوعي بالنواحي الشقية من حياتنا البائسة
( و هذا تعبير يعود إلى الأستاذ صدقي إسماعيل ، و ربما نقلا عن كامو ).
إن الافتتاحية في الروايتين تبدأ من القلق الذاتي أثناء البحث عن الأصول النارية ، أمر يتطلب تفسيرا مغايرا لعلاقة الإنسان بالله ، بحيث أن الدين يقتصر على النواحي الإيمانية من غير تشريع ، و من غير تأويل ، أي انطلاقا من انعدام النص ، المنعطف الذي يتوازى بالعادة مع مرحلة التنزيل ، ثم التبشير بالرسالة ـ و الخطاب.
* و سريعا تنبثق من ذلك ضرورة البحث عن تحويلة ( بالإشارة إلى مبدأ التحويل الفرويدي في رضة الفطام و تكوين الأعصبة ). إن العصاب بما هو صدام بين الرغبة و حدود الواقع يفرض علينا ، غالبا ، شن حرب ضد المجتمع و قوانينه ، ثم اكتشاف مبدأ الضرورة ( الإيروسي ) من خلال علاقة حب خاسرة مثلا ، و صداقات نرجسية و أنانية.
و هنا يدخل في حساباتنا الوعي بالسلطة الممجدة و التي هي ( دلاليا ) المعادل الموضوعي للظلام في الحياة ، أو تيه الموجود و بصورة طريدة تتباهى بقوانينها.
* و هذه هي مشارف المعراج الوجودي ، أو اتساع شقاء الأفراد ، وصولا إلى الحدود التراجيدية . إنها إسميا ( مبدأ الثاناتوس أو الموت و السقوط في حفرة العدم ).
لذلك كان المشهد الختامي في رواية غرين كما يلي :
" صوب ريفن مسدسه ببطء و هو شارد الذهن نحو ماذر ، بيد أن ساندرز استطاع أن يطلق عليه النار من الخلف ، فسقط على الأرض و هو يتأوه من الألم و يجهش بالبكاء ... و أخيرا لفظ أنفاسه ( ص 143 ) ".
و كانت الخاتمة عند محفوظ كالتالي :
" أحس ( سعيد مهران و هو بين المقابر ) بحركة غادرة ، فاستشاط غضبا و أطلق النار ، و انهال الرصاص حوله فخرق أزيزه أذنيه ، و تطاير نثار القبور ... و أخيرا لم يجد بدا من الاستسلام ، فاستسلم بلا مبالاة .. ( ص 182 ) ".
لقد كانت سيرورة الأحداث في الروايتين على قدر لا يستهان به من التطابق ، ليس في وجهة النظر و لا حتى في قيمة البحث الأخلاقي عن معنى الألوهية و الخير و الشر في عالم ظالم ، و إنما في تعاقب المشاهد و ترابط النوايا البعيدة مع رموزها الجدلية في الواقع.
و لم يكن هناك من فارق إلا في علاقة اسم البطل بمعناه. لقد كان عند محفوظ يدعى ( سعيد ) بالرغم من أقداره الشقية ، و لكنه عند غرين كان يدعى ( ريفين ) أو الغراب . ذلك الطائر الأسود و الحالك و المشؤوم ، و الذي تجد بذرته عند ألان بو في ( قصائد الشر ) ، و الذي قال عنه الإمام جعفر الصادق في تفسير الأحلام : إنه شؤم ، و قد يدل على ولد فاسق، أو غم شديد.
كان غرين من زمرة المثقفين الخوارج ، أو أنتلجنسيا الأطروحة المضادة ، و كان دائما بعكس التيار ، و يبحث عن إلهه الخاص ، و عن آفاق طيبة و مؤمنة ، و لكن قلقة لا تعرف كيف تنام.
و هكذا كان نجيب محفوظ أيضا ، في خضم قلق أصلي بماهية الله و طبيعة التواصل معه ، انطلاقا من خياراته و انتمائه.

* هوامش و مصادر :

1 - تحدثت عن موضوع التشابه بين الروايتين بالتفصيل في مقالتي : ( نجيب محفوظ و مأساة الإبداع العجوز ) المنشورة في جريدة الجماهير ، عدد : 3401 ، تاريخ : 30 – 8 – 1976 . ثم عدلت من فرضية التشابه عن عمد في الرسالة الثقافية التي أرسلتها من بريطانيا بمناسبة صدور الطبعة الجديدة من رواية ( الرجل العاشر ) لغرين ، و نشرتها في مجلة المعرفة عام 1986 . فاقتضى التنويه.
2 – صدرت رواية غراهام غرين في لندن عن دار هاينمان بعنوان ( A Gun For Sale ) عام 1936 ، و في الولايات المتحدة بنفس التاريخ و لكن بعنوان ( This Gun For Hire ). و قد ترجمها أديب بسادة جرجس ، و صدرت باللغة العربية عام 1970 في بيروت ضمن سلسلة روايات الجيب بعنوان ( بندقية للبيع ).
3 – صدرت رواية ( اللص و الكلاب ) لنجيب محفوظ عام 1961 في القاهرة عن دار مكتبة مصر. و أعيد نشرها في دار القلم ببيروت بالعنوان نفسه).
4 – قدم ديفيد بريس جونز دراسة مفصلة عن غراهام غرين ، بندقية للبيع ضمنا ، في كتابه : غراهام غرين. و الذي ترجمه سعدي يوسف ، و صدر عن المؤسسة العربية للدراسات و النشر في بيروت عام 1979 ، ضمن سلسلة أعلام الفكر العالمي.

   
نرحب بك صديقاً دائماً لأمواج ونسعد بإرسال كل جديد إليك
ارسل بريدك الالكترونى
 
للحصول على الإصدرات السابقة من المجلة
 
يمكنك ان تقوم بالبحث فى كل اعداد المجلة
بـحــث مــتـقـدم
 

حقوق النشر محفوظة ( 1998-2006 ميلادية) مجلة أمواج سكندرية
التطوير و التنفيذ System Online & دار الصديقان للنشر والاعلان