وداعاً يا منارة الإسكندرية
صبرى أبو علم

   غادرت الإسكندرية يوم الأحد 14 يناير فى أول أعوام الألفية الثالثة للمشاركة فى مؤتمر المأثورات الشعبية بالقاهرة وأنا أعد نفسى بزيارة عمى "عليم" وهو يرقد فى المستشفى الجامعى.. وفى صباح اليوم التالى كنت فى ضريح الزعيم جمال عبد الناصر اقرأ له الفاتحة فى ذكرى مولده..
ودق المحمول ناعياً إلى الشاعر عبد العليم القبانى فبكيت مرتين.. مرة لوداع شاعر كبير أثرى الحركة الأدبية.. وأنار مدينة الإسكندرية لتزهو به.. ومرة لذكرى جمال عبد الناصر الذى أحب مصر وبذل لتطويرها ما يستطيع وضاعت جهوده سدى بهزيمة 1967 وبالتقلبات السياسية من بعده.
أما الشاعر عبد العليم القبانى فهو نموذج للعصامى الذى بنى نفسه بيديه.. فلم يذهب إلى المدارس المتوسطة وارتضى لنفسه أن يعمل خياطاً للجلباب البلدى فى حى باب سدرة بالإسكندرية.. لكن الفتى يتوهج موهبة ويتطلع إلى المعرفة .. فيبحث عنها فى الكتب فى مكتبة البلدية.. فيقرأ الشعر العربى كله والدراسات الأدبية العربية وفى نفس الوقت يكتب الشعر.. وفى عام 1947 اشترك فى مسابقة كبيرة بالقاهرة وكتب فى عنوانه أنه خياط.. وتفوز قصيدته بجائزة مجمع اللغة العربية.. ولا تصدق اللجنة أن هذا الشاعر النابغ خياط.. فترسل الأستاذ محمد فريد أبو حديد إلى الإسكندرية ليلتقيه ويناقشه ويتحقق من علمه وثقافته وموهبته..
وفى باب سدرة.. فى محل الخياط.. يستقبل القبانى بجلبابه البلدى الذى يلبسه والجلباب الذى يخيطه الآن.. يستقبل الأديب الكبير أبو حديد.. ويكون لقاء تاريخياً للاثنين.. ويعود أبو حديد ليعلن فوزه بالجائزة.
ظل القبانى يرتقى فى الإبداع حتى قررت وزراة التعليم إحدى قصائده على طلاب المدارس الإعدادية.. وفى عام 1958 قرر القبانى أن يتقدم لامتحان الإعدادية من منازلهم.. ويأتيه سؤال اللغة العربية فى قصيدته.. وتنشر الصحف هذا الأمر الطريف.. وأقرأه فى بلدى طهطا.. وأحب هذا الشاعر منذ تلك اللحظة.. وعندما أتحول للإقامة بالإسكندرية أحتضنه ويحتضننى.. ويصبح بالنسبة لى عمى عليم والأستاذ والأب..
يقول عمى عليم: انطلق وامض إلى حيث تريد عالى الجبهة مضموم اليد.. انطلق واصعد ودع يأس العبيد لا يلى القمة من لم يصعد.. قد ترى الدودة فى الخبز توارت مستقرة.. أو ترى فى الكأس سماً نافعاً أفسد خمرة.. أو ترى فى جسم حسنائك روحاً لبغى.. أن تجد هذا فلا تجزع ولا تحفل بشئ.. إلق بالخبز لدى أول صخرة.. وحطم الكأس على أول صخرة.. وارم بالمرأة فى عرض الطريق.. ودع الأمس يولى من يديك.. وتحفز لغدك.. وانطلق وامض وسر.. هكذا الدنيا تمر.
بهذه الروح عاش القبانى لا يلوى على شئ غير كتابة الشعر والدراسات الأدبية.. فهجر الخياطة بعد حصوله على الإعدادية وعمره أربعون عاماً عام 1958 وعمل موظفاً بكلية الآداب جامعة الإسكندرية.. وطالما جلست معه فى متحف الكلية على مكتبه البسيط لنستمع إلى أشعارنا..
عاش القبانى بأحلام بسيطة تجاه المتطلبات المادية للحياة.. فحين فاز بجائزة البابطين فى الشعر العربى فى دورتها الثانية كانت الجائزة المعلنة ثلاثين ألف جنيه.. سألته ونحن فى طريقنا إلى الأوبرا لحفل الجائزة: ماذا ستفعل بالمبلغ يا عم عليم ؟ 
قال: سأشترى شقتين لأولادى
قلت: يا عم عليم إن المبلغ لا يكفى لشقة واحدة
قال: لا يمكن
هذا دليل الأحلام البسيطة.. وكنت أجلس بجواره فى الأوبرا حين أعلن الدكتور محمد زكى العشماوى أمين عام الجائزة مضاعفة الجائزة إلى ستين ألفاً.. فى هذه اللحظة استمعت إلى أنفاسه ودقات قلبه.. شاهدت فرحته..
وفى مؤتمر أعلام دمياط جمعتنا غرفة واحدة بالفندق برأس البر.. كان ضعيفاً متهالكاً.. يسقط على الأرض وهو يخلع بنطلونه.. صوته لا تكاد تسمعه..
قلت له: يا عم عليم اعطنى قصيدتك أتدرب عليها لألقيها بدلاً منك كما فعلوا مع أحمد شوقى
قال: لا
وفى الندوة كان أروع القائلين أداء وشعراً وصوتاً.. 
وقال لى: كنت أتحداك يا صبرى وأثبت لك أنى قادر
وقلت: وأنا أيضاً كنت أستنفرك لتفعل هذا
قال القبانى:
إذا ما كنت داعية لحق
ولم تك حاملاً حتى عصاك
فلا تغضب إذا المرأة يوماً
أرتك وقد علا ورماً قفاك
يضحك الجمهور لروعة الحكمة وروح الدعابة التى تغلفها.
وفى منزله الصغير البسيط كتب القبانى أحد عشر ديواناً من الشعر.. وإحدى عشرة دراسة.. وكان قد حصل على تفرغ من وزارة الثقافة لكتابة هذه الدراسات .. وهى دراسات رائدة فى مجالها وقيمة.. استخدم فيها كل مناهج البحث العلمى.. فكتب عن طه حسين فى الضحى من حياته.. وكتب عن إيليا أبو ماضى فى الإسكندرية.. عن بيرم التونسى وشعره الفصيح.. وكتب عن أحمد شوقى وموقفه من الخلافة العثمانية.. وعن الشعراء أصحاب الحرف "مثله".. وعن الصحافة فى الإسكندرية.. رائع أنت يا عم عليم بالشهادة الإعدادية فقط كتبت ما يكتبه الباحثون بعد الدراسات الجامعية.
رحمك الله رحمة واسعة .. ولتعلم أنك لست شاعراً فقط بل مناراً يرشد السالكين.. وما يؤلمنى أنك ترحل فى الإسكندرية وأنا غريب فى القاهرة فلا أكون بجوارك كما كنت دائماً أردد أشعارك.. فأنا راويتك ومحبك كما أحبك من عرفوك..
وإذا كانت قصائدك تنير سماء الإسكندرية.. فإن الملحمة العربية التى كتبتها لتقف فى قمة أعمالك الشعرية لتخلد عرابى والثورة العرابية وتخلدك معهم.
وإلى اللقاء يا عم عليم.

 
راهــــــــب الإســـكندرية .. الذى تـــحدى الــزمــــن الســـــيرة الـذاتـــية للشــــاعر/ عبد العـلــيم القبـــانى
عبــــد العـلــــيم القـبــــاني وســــــيرته الـذاتـــــــيـة بركــان الصــمت لمحــات أخـيرة في حيـاة القبـــاني
التــــــلـــــــمــــيـــذ والحــــــقـــــــــــيــبــــــــــــــة في تأبين الشـــاعر المبــدع عبــــد العـلــيم القبـــــاني
عبـــد العــليم القبـــاني نــــجم في ســـماء الشــــــعر كلمة في حفل تأبين الشـــاعر الكبير عبد العليم القبانى
ورحـــــل عمـــــيد شــــــعراء الإســـــكـــنـــدريـــة وداعــــــــاً يــا مـــــــنـــارة الإســــــكــنـــدريـــــــة
ألبـــــــــوم صـــــــور عبـــد العــليــــم القــــبـانــى