‏مع الساخرين
مأساة صغيرة
محمد عفيفى

ثلاث سنوات ‏-‎‎ثلاث سنوات كاملة- وأنا الحب الوحيد لديها، أنا الشمس فى حياتها والقمر والرياح والمطر، وكل ما هو جميل أو مثير، أنا الجلاس فى صيفها، والسحلب فى شتائها، وأنا الويسكى إذا أرادت أن تسكر، والالكاساتزر إذا أرادت أن تفيق، وأنا كل شئ فى حياتها، كل شئ.
    وكذلك كانت هى فى حياتى، بل وأكثر. فيمكنك أن تقول بغير تطويل أننى لم أذق طعم الحياة إلا فى اليوم الذى عرفتها فيه. طويلة بيضاء مشرقة، فى ابتسامتها فرحة الدنيا وبين أحضانها خلاصة جوهر سر الحياة. أقبلها فتقلبنى فأقبلها ثانيا، حبيبتى الوحيدة الخالدة، حبيبتى أنا.

    وهى غنية أيضاً، النقود بين يديها مثل مياه النهر التى يخيل إليك ‏-‎‎كثرة ما تسحب منها- أنها ستنفد، ولكنها لا تنفد أبداً. وهناك على صفحة ذلك النهر الذهبى قضيت تلك السنوات الثلاث أغطس وأقب، لاهيا عابثا مستغنيا عن العمل، أنا وحبيبتى الجميلة المشرقة التى بين أحضانها خلاصة جوهر سر الحياة.
    من أين يأتيها المال؟ من زوجها طبعاً، من ذلك الرجل العجوز الذى يقيم معنا فى نفس البيت والذى عرضت عليها ذات يوم أن نتركه أنا وهى فقطبت جبينها الأبيض منكرة قولى، من ناحية لأنه مسكين رغم أنه غنى، ومن ناحية لأنه غنى إلى جانب أنه مسكين.
    بل إنها رجتنى أكثر من مرة أن أحبه، أحب ذلك الرجل الذى ينفق علينا، لا لأنه ينفق علينا فحسب، وإنما لأننى ‏-‎‎وفقا لفلسفة غريبة عندها- يجب أن أحبه كما يجب أن أحب كل الناس، تلك الفلسفة التى يشاركها فيها الرجل العجوز نفسه، إذ قال لى أكثر من مرة ‏-‎‎صدق أو لا تصدق- أنه هو الآخر يحبنى ويريد منى أن أحبه!!
    فأحببته، أو على الأقل أقنعت نفسى بأننى أحبه، وأصدق ما يمكنك أن تقول هو أننى ‏-‎‎على مر تلك السنوات الثلاث- وجدت خيره أكثر من شره، فاعتدت عليه، خصوصا أنه كان معظم الوقت فى عمله خارج المنزل مشغولاً بتدبير المال الذى يوفر لنا بحبوحة عيشنا، حبيبتى الجميلة وأنا.
    ثلاث سنوات من عسل السعادة الأبيض بغير نحل، من الضحك والمرح والقبلات، ونزهات الخلاء فى السيارة والقبلات، وأكل سندويتشات الكبد والروزبيف على البلاج والقبلات، ومطاردة بعضنا البعض فى حجرات المنزل والقبلات، أنا وحبيبتى المشرقة البيضاء، حبيبتى أنا، وفجأة ..
    الهول الأسود والسم الزعاف، والبصقة المريرة التى أمطرتنى بها سماء الزمن الأغبر، يوم جاءت تقول لى وهى تقبلنى:
- كمولتى (أسم التدليل الخاص بى اشتقاقا من كامل) أنا ح أسيبك وأسافر جمعة..
- لماذا ؟
سألتها، فقالت بابتسامة غامضة :
- موش ح أقولك.. لكن ح أجيب لك معايا هدية حلوة قوى..
فلم أدر هل أحزن للفراق أو أفرح بالهدية المتوقعة، ولم يكن لى على أى حال حيلة فى القبول، فودعتها وفى قلبى خفقان منذر، منذر بالهول الأسود والسم الزعاف، والبصقة المريرة التى تجهز لى بين أشداق الزمن.
    فإلى اليوم الذى أموت فيه ‏-‎‎مهما طال بى العمر- لن أنسى (كيف أنسى؟) ذلك اليوم المشئوم بعد أسبوع، إذ عدت من الخارج فوجدتها قد عادت من سفرها، ووقع بصرى لحظة دخولى على أنكر منظر يقع عليه بصر إنسان ذكر، منظر حبيبتى الجميلة ‏-‎‎حبيبتى الوحيدة الخالدة- وبين أحضلنها شخص آخر لا أذكر اننى رأيته قط من قبل، وجدتنى أبتسم حيث وقفت عند باب الحجرة، إذ ظننت أن فى الأمر مزحة وإن كانت مزحة سخيفة، ولذلك قررت أن أشترك فيها بالرغم من سخافتها، فتقدمت منها ومن شريكها، واهويت على قفاه بصفعة مازحة، إلا أنها قوية بالقدر المناسب لسخافة مزحته، تلك الصفعة التى أدركت على أثرها مدى غباوتى حين افترضت فكرة المزاح، وذلك بسبب الصفعة التالية التى استقرت على وجهى أنا، لا م يد الذى صفعته كما قد يخيل إليك، وإنما من يد حبيبتى أنا وهى تصرخ فىّ قائلة:
- ابعد عنه.. انت مجنون ؟!
ودفعتنى بعيداً لتحمى شريكها بعد أن صفعتنى بيدها التى تآكلت عليها شفتاى من كثرة القبل، بينما تمسك هو بأحضانها غير مكترث بأمرى، منتشياً بالقبلة التى انثنت تطبعها على خده وهى تقول له مواسية:
- معلهش.. معلهش يا أسومتى !
إذ أن أسمه ‏-‎‎كما علمت فيما بعد- أسامة.
***
    أسبوعان كاملان وذلك الوغد عندنا لا يعود من حيث أتى، بل إنه لن يذهب أبداً إلا إذا أخذه الله ‏-‎‎ كما سمعت زوج حبيبتى العجوز يقول لها ذات مساء.
    لماذا ‏-‎‎سألته- لا نطرده أنا وأنت؟ لماذا لا نتكاتف عليه فنضربه ضربا موجعا قاتلا، ثم نقسمه بالسكين إلى قطع صغيرة نضعها فى شوال قديم، ونلقى به من النافذة لكى تأكله الكلاب؟
    ولكنه لم يكن من رأيي، إذ أنه بالرغم من عدم إرتياحه لهذا العاشق الجديد لا يزال متمسكاً بفلسفته المريضه التى تقول بأننى يجب أن أحب كل الناس بما فيها ذلك الوغد الدخيل، مثلما أحبنى هو ‏-‎‎الزوج- يوم كنت حبيب زوجته الوحيد.
- وإذا مديت ايدك عليه تانى (هكذا أختتم موعظته) ح أقطع رقبتك!
وهكذا قضى الأمر ‏-‎‎أمرى أنا- ولم يعد أمامى سوى طريقين لا ثالث لهماا: أن أستكين وأرضى بهذه الحياة الذليلة المخزية فى سبيل لقمة العيش، أو ان آخذ بعضى وأهيم على وجهى فى بلاد الله الواسعة.
    وكان هذا الحل الأخير هو الذى راق لى، فانتظرت ذات ليلة حتى نام الجميع، وتسللت إلى الحديقة المظلمة، ومنها إلى الشارع المقفر الذى لا يضيئه إلا مصباح شاحب ضعيف.
    ولكنه لم يكن مقدراً لى أن ابتعد كثيراً، إذ سمعت صرخة، وصرخة أخرى، ثم ضحكة ساخرة، ثم خطوات تقترب مسرعة من خلفى، ويد تجذبنى وتعود بى إلى البيت.. وهناك وجدت حبيبتى تنظر إلى فى لوم وعتاب، وإذا بها تأخذنى بين أحضانها فتقبلنى، ولكنها كانت قبلة منقوعة فى الشفقة، وفيها رائحة من الآخر الدخيل تتسرب إلى أنفى كالسم الزغاف.
    لن أستطيع أن أفر بكرامتى، ولن أستطيع أن أقضى على عدوى الدخيل، ولن أستطيع أن أمنع حبيبتى من تقبيله أمام عينى، مكتفيا بشعور الغثيان الذى يعترينى كلما رأيت ذلك الخزى المكشوف، لأننى ‏-‎‎وفقاً لفلسفة ذلك البيت- يجب أن أحب الناس جميعاً.
    وهناك سوف أعيش إلى الأبد على هامش حياة عدوى الدخيل، طريداً من جنة حبيبتى المشرقة البيضاء، متطلعا من بعيد ‏-‎‎من بعيد- إلى الأحضان الدافئة التى يستمتع فيها الشخص الآخر بخلاصة جوهر سر الحياة.
(ملحوظة : هذه صفحة منتزعة من يوميات طفل عمره ثلاث سنوات بعد أن ولدت أمه ذكراً جديداً) !!‏‏

الاســــــــــــــــــم
dd/mm/yy تـــاريــخ الـمـيلاد
الـــبـــــــــــلــــــد
البريد الاليكترونى
الوظيفة او المـهنـة

الـــنـــــكــــــــتــــة

معلومات اضافية
 
نـــوادر و طـــرائـف الكاريكاتير فى قــرن
أطـــرف الـقـضـايـــا مـــع الســـاخـــريــن