تـــكــويـنـات رمـاديــة
 
gbril.jpg (10790 bytes)
مــحــمــد جــبـــريــــــل

مددت يدي بعفوية ، وأضأت النور . كنت قد صحوت على أذان الفجر يتناهى من المرسى أبي العباس .
أطلت التحديق في الظلام السادر أتبين الشبح الواقف وراء النافذة ، يتطلع إلى الطريق . بدت المفاجأة في ملامح وجهه أقرب إلى الخوف ، وربما الفزع . هلل بيدية فأطفأت النور :
قلت وأنا أزيح الغطاء عن جسدي :
- هل تنوي صلاة الفجر في المسجد ؟ ..
قال في همس منفعل :
- أى صلاة ؟!.. وهل يتيح لي الملاعين أن أصل إلى المسجد ؟!..
فطنت إلى ما يعنيه . حدثنا ‏-‎‎ إخوتي وأنا ‏-‎‎ عن متاعب ‏-‎‎ لا يدري بواعثها ‏-‎‎ بدأت إدارة الشركة تواجهه بها حين أعلن رغبته في التقاعد ، الخواجــة ليفي ( سافر فيما بعد ‏-‎‎ إلى إسرائيل ، ضمن الأفواج الأولى لليهود المصريين ) أظهر قلقاً واضحاً . تمعن في وجه أبي كأنه يستوضح نواياه . قال وهو يتظاهر بترتيب الأوراق على مكتبه :
- أرى صحتك ممتازة .. فلماذا تتقاعد ؟..
سعل أبي ‏-‎‎ بالتذاكر ‏-‎‎ وأسند راحة يده إلى صدره :
- هدني الربو .. ولابد أن أنفذ نصيحة الطبيب بالراحة التامة !..
- اكتف بالعمل معنا .. وأعدك بزيادة راتبك ..
- صدقني مطلبي الراحة وحدها !..
- روى أبي ما حدث ، دون أن يشير إلى ملاحظة ما . لكنه 0 في الأيام التالية ‏-‎‎ حدثنا عن الأوراق التي اختفت من مكتبه ، والبرود القاسي في معاملة الخواجه ليفي ومعاونيه ، واعتذار الصراف بالمرض حتى لا يتقاضى راتبه . علا الإيقاع وبدت التطورات مثيرة عندما فاجأني أبي ‏-‎‎ ونحن حول الطبلية ننتظر عودته ‏-‎‎ بخطوات متعجلة ، ووجه يكسوه قلق واضح . وضع الصحيفة وكيس البرتقال على المائدة ، وعاد إلى الباب يستوثق ‏-‎‎ أعلى السلم ‏-‎‎ مما رآه . لم أكن رأيت أبي في تلك الصورة من قبل . تنقل ‏-‎‎ بعينين مرتعشتي الأهداب ‏-‎‎ بين باب الشقة والنافذة المطلة على المنور ، ولوحة الكانفاه المعلقة في الجدار ، وحركة مفيدة ‏-‎‎ داخل المطبخ ‏-‎‎ تعد الطعام ، ونظراتنا القلقة ، والقط السيامي الذي أقعى تحت الطبلية . غلب التوتر محاولته لعناق السكينة . جلس على الكنبة الاستامبولي . أطال التحديق في اللا شيء حول نفسه ، وتحركت شفتاه بكلمات لم ينطق بها .. أزاح له نافع وشاكر مكاناً بينهما ، فجلس . أمسك بيديه طرف الطبلية ، كأنه يهم بقلبها :
- هل رأيتم ما رأيت ؟..
تطالعنا بأعين متسائلة :
- الخواجه ديفيد ‏-‎‎ مساعد ليفي ، يختبئ في بئر السلم ّ..
قلت في ضيق :
- ولماذا تتصور أنه يختبئ ؟.. ربما يريدك في أمر ما ؟..
- أنت لا تفهم شيء .. منذ أيام أتابع تنفيذ المؤامرة ..
- ضد من ؟..
- ضد أبيك !..
أغضبه ‏-‎‎ وان لم يعلن ‏-‎‎ تنهدة أخي نافع غير المصدقة . استطرد وهو يهش ‏-‎‎ بعصبية ‏-‎‎ ذبابة حطت على أنفة :
- صدري مليئة بالأسرار .. وهم يخشون أن أذيعها ..
تغلف صوته بحشرجة قاسية :
- لقد قرروا قتلي !.
لزم أبي البيت ، بعد أن تسلم مكافأته . يكتفي بالتنقل بين غرفته والصالة ، ويشغل نفسه بمراجعة قواميس الإنجليزية والفرنسية ويدون جملاً وملاحظات ..لمجرد الرغبة في قطع الصمت الذي كان يعمقه مضغ أفواهنا للطعام ، سألت أبي :
- لقد تقاعدت عن مهنة الترجمة .. فلماذا تقسو على نفسك بالمذاكرة ؟
قال في استغراب :
- التقاعد لا يعني أن أهجر اللغة ..
وعلا صوته في تغيير مفاجئ :
- إذا نسيت اللغة ، نسيت كل ما أعرفه من أسرار ‏...‎‎ وهذا ما لن أمنحه لهم ؟..
وصرخ في نظرتي الداهشة :
- أنت لا تفهم شيئاً .. لم تعد حياتي تهمني .. المهم أن أرد المؤامرة !..
تغيرت حياتنا . خطوات أبي الزاحفة بين غرفة النوم والصالة ، تخوفه الواضح من رنين جرس الباب ، تطلعه القلق ‏-‎‎ في لحظات متقاربة ‏-‎‎ من خصائص النافذة ..شروده الساهم وحديثة المفاجئ إلى نفسه أحياناً . لم يعد تشغله المذاكرة ، أو مشكلاتنا الشخصية . تناسى حرصه ‏-‎‎ منذ وفاة أمي ‏-‎‎ بدس الساندويتشات في حقائبنا كل صباح قبل أن نغادر البيت . شاع حولنا ضباب غير مرئي ، وغلب التوتر على تصرفاتنا وقال نافع :
- ينقصنا حفل زار لنعيد هذا البيت إلى سابق عهده !..
في تلك الليلة ، صحوت على حركة أبي خلف النافذة . أطفأت النور ، وأزحت الغطاء عن جسدي . حاولت أن أهبط إلى الأرض برفق ، فلا يصحو إخوتي . أحس بصدري خلف ساعده ، فقال في صوته الهامس ، يشير إلى المجهول من خصاص النافذة المغلقة :
- هذا الذي يقف تحت عمود النور .. انه الخواجه ليفي نفسه !..
قلت وأنا أحدق في الرجل الغائب الملامح :
- هل البالطو الأصفر مما يرتديه الخواجه ليفي ؟!..
- أنت لا تفهم شيئاً .. أنهم يحسنون إخفاء أنفسهم .. لكن هذا الواقف هو الخواجه ليفي بعينه !..
أحسست - لخوف أبي ‏-‎‎ بإشفاق . بدا مهدوداً ومتحيراً ولا يقوى على التصرف . ذلك الذي يقف تحت عمود النور كان ينتظر سيارة العمل . رأيته مرات من قبل وأنا أطل ‏-‎‎ بعفوية ‏-‎‎ من النافذة ، الأرق يعقب تناهي الآذان من أبي العباس ، أو ابتهالات ما قبل الصلاة . لكن البريق الذي التمع في عيني أبي ، بما هو أكبر من الخوف ، كأنه يرى الموت ، جعل السؤال سخافة لا معنى لها . تضاءل العملاق القديم فتمنيت أن أحتضنه وأبكي .
غامت عيناي ، فدفعته برفق :
- حديثنا سيوقظ اخوتي . نم أنت ، ولن أغادر مكاني حتى أطمئن إلى انصراف الرجل ‏...‎‎
أيقظني أبي لصوت يتصاعد من نافذة المطبخ .
قال : انهم يتسلقون المواسير . وأصر أن يتقاضى محصل الكهرباء نقوده من شراعة الباب . وأعلن قلقه لما تأخر شاكر عن العودة من المدرسة . وزاد من تأكده ‏-‎‎ ليلا ‏-‎‎ إلى إغلاق الباب والنوافذ بإحكام .. ولمحته يوماً ‏-‎‎ يقلب فى حقيبة نافع . أعاد الحقيبة إلى موضعها وهمس كالمتعذر :
- لا بد أن أحتاط .
لما صحوت كانت الشمس قد ملأت الدنيا . هدني النقاش مع أبي فنمت . كان إخوتي قد انصرفوا إلى مدارسهم ، وران على الشقة هدوء . اتجهت ‏-‎‎ بتلقائية ‏-‎‎ إلى غرفة أبي ..
كان مكوراُ ‏-‎‎ في الأرض ‏-‎‎ على جنبه ، وعيناه مبحلقتان في سكون جامد ، غريب .
                   
‏‏

 
فـــــــــارقــــــــــــــــة تـــكــويـنـات رمـاديــة رحلة الى بلاد اللانهاية فــــــــــــــــرصــــــــة