خارج :
الحافلة السياحية، البرتقالية الموسومة برسم أبى
الهول مجدوع الأنف، ذات الزجاج العريض (المِرائِى)
اللون. تقطع بحذر الطريق الذى ينصف هذا البراح
الصحراوى المُتنَاثَر عليه العشب. داخلها عشرات
الرؤوس وأزواج العيون والأذان. أتى صوت المرشد
(السيناوى) الذى يجمع بين الطلاقة ولطف النبرة،
وثقة الأداء ..
- نحن نقترب من خط الحدود الدولية التى تفصل بيننا
وبينهم ..!
راح يحكى عما فعلوه، هنا .. وما تركوه، هنا.. وما جرى
منهم، هنا .. روى وروى وروى .. كيف أسقطوا الأسقف
الأسمنتية فوق رؤوس الجدران قبل الرحيل .. وكيف ألقت
مروحية صغيرة برسالة متفجرة فى قلب بئر الماء
المعَلق، فأنشطر قاذفاً مخزونه فى العراء ..
مالت الحافلة جهة اليسار، مُولية جانبها الأيمن
شَطر ذلك الحد الذى ران عليه لسع الشمس ورحب
الخَلاء ..
داخل :
سلك قبيح، صدئ هنا .. أنيق، لامع هناك. أرض كرأس بها
ثعلبة هنا .. وخضار ملء الأفق هناك. جنود، كثٌر،
نشطون، هنا .. جندى بسيارة تمرق هناك. مبان مبعثرة،
كالحة .. وأسطح مستوية، بيضاء، زرقاء، هناك. هنا. لا
إشارات، لا علامات، وإن. فهى غائبة الملامح.
وإشارات كهرمان فسفورى براق، علامات بارزة نظيفة
هناك .. نقطة أكثر ضجيجاً هنا .. صامتة هادئة، هناك ..
علم يرفرف هنا .. علم يرفرف هناك .. ويظل هنا. ويظل
هناك، هو الفارق.
خارج :
تشرئب الرؤوس، تترقب العيون. ينتابها هوس داخلى
محموم .. تفحص. تتخيل. تتخيل. تلتقط. تتأمل، تعيد
الفحص، تحلم تعيد الالتقاط تثور، تتمنى، ثم تسجّل
وتسجّل وتسجّل .
تستدير الحافلة عائدة .. يتلاحم أزيزها ورؤية
الداخل. وأنطوى الكل متخندقاً داخل الرأس. بينما
خبا تماماً صوت المرشد السيناوى.
|