أبو
الهول ذلك التمثال
العملاق (ارتفاع 66
قدما، طول 240 قدما،
الأذن 4 أقدام و6 بوصات،
الأنف 5 أقدام و7 بوصات،
الفم 7 أقدام و7 بوصات،
العرض الكلي للوجه 13
قدما و8 بوصات) والذي
يربض في مكانه منذ آلاف
السنين، حارسا
للصحراء، وقاهرا
للأعداء، ومانحا القوة
للحكام والأمراء .. من
هو؟
ومن أوجده في
هذا المكان من صحراء الجيزة
بجوار الأهرامات الثلاثة؟
هل الطبيعة أم أحد الملوك
المصريين القدماء؟ وهل له
صلة بأم الهول التي اعترضت
أوديب ـ في الأساطير
الغربية ـ بلغز أجاب عنه
فقتلها؟
كل هذه الأسئلة وغيرها
الكثير يجيب عنها عالم
الآثار الجليل الدكتور سليم
حسن في كتابه الشيق "أبو
الهول، تاريخه في ضوء
الكشوف الحديثة" الذي صدر
ـ في طبعته الثانية ـ عن
مكتبة الأسرة 1999 ترجمة جمال
الدين سالم، ومراجعة د. أحمد
محمد بدوي.
* كنز دفين تحت
أقدام أبو الهول
بداية يوضح
المؤلف أن العالم
"مسبيرو" كان أول من
داعبته فكرة العثور على حجرات
تحت الأرض وكنز دفين مكان
أبو الهول، وكان ذلك عام 1885،
كما اعتقد العرب كذلك أن أبو
الهول يغطي حجرة تحت الأرض،
يتوقعون أنها زاخرة
بالكنوز، وقد ذاعت شهرة أبو
الهول خلال العهود
الفرعونية كمكان للحج،
واستمر كذلك حتى نهاية عهد
الوثنية (أي إلى القرن
الرابع الميلادي) حيث طمرت
الرمال أبو الهول حتى عنقه،
وبقى كذلك حتى العصور
الحديثة. ويعجب المؤلف من
أبي التاريخ هيرودوت الذي
زار مصر أيام الاحتلال
الفارسي (525 ق.م) ولم يتحدث
إطلاقا عن أبو الهول على
الرغم من أنه أفاض في حديثه
عن الأهرام، وعلى الرغم من
وجود أبو الهول في مكانه
الحالي إلى جوار تلك
الأهرام منذ منتصف الأسرة
الرابعة (حوالي 2900 عام ق.م)
مما يؤكد أنه بني في عصر
الملك خفرع، بل كان إضافة
لاحقة على هرم "خفرع"
وملحقاته وإن لم يكن من
الضروري انتماؤه إليها،
وأنه بني إلى جواره دار
مقدسة خصصت لعبادة أبو
الهول، وأن أبو الهول نفسه
غدا رمزا لمصر في عصور
تالية، ثم اتخذ درعا واقيا
وحارسا ساهرا قويا يلجأ
إليه الملوك والأمراء، حيث
تظهر فيه رشاقة الأسد وقوته
المخيفة بالإضافة إلى القوة
العقلية الخلاقة التي خص
بها الإنسان.
والمتأمل في أبو الهول
الحالي يجد له قاعدة، هي تلك
الصخرة الطبيعية التي يربض
فوقها، وقد قطعت من الأمام
إلى عمق مترين ونصف متر تحت
مستوى المخلبين، ويؤكد
المؤلف أنه عندما بنى معبد
أبو الهول استعملت هذه
القاعدة الأمامية أساسا
للجدار الغربي في الردهة
الكبرى ووسط هذا الجدار
الغربي كسوة كبيرة تشغله.
* أنثى أبو
الهول
وإذا كان أبو
الهول يمثل الذكورة والقوة
والحكمة، فإن المؤلف يؤكد أنه وجدت أنثى أبو
الهول في مصر منذ زمن بعيد،
وقبل أن تطرح أختها
الهلينية لغزها المشئوم
(على أوديب) وقد ظهرت عدة
أشكال لأنثى أبو الهول على
مدى التاريخ منها الطراز
المصري الصريح، ويختلف عن
ذكر أبو الهول فقط في الرأس
الأمرد المؤنث، وربما يمثل
إحدى الأمهات من عظام ملكات
الأسرة الرابعة، ويدلل
المؤلف على ذلك بقوله
"فإذا كان الملك في هذا
العهد يمثل بصورة ذكر أبو
الهول، فإن ظهور الملكة في
هيئة أنثى أبو الهول لأمر جد
منطقي". ومن الطرز الأخرى
لأنثي أبو الهول طراز خاص
تبدو فيه مؤثرات سورية أو
كنعانية، وله جسم اللبؤة،
ولعل هذا الطراز يمثل
الآلهة الآسيوية
"عشتارت" التي أدخلت
عبادتها في مصر على عهد
الأسرة الثامنة عشرة، حين
كانت مصر على علاقة وثيقة
بجاراتها الأسيوية.
* أبو الهول في
العصر الإغريقي الروماني
أما أبو الهول
في العصر الإغريقي
الروماني، فقد ظهر في مصر على ثلاثة طرز
متميزة منها الطراز المصري
الخالص الذي لم يتغير عن
شكله الأصلي منذ عهد الدولة
القديمة، ثم الطراز
الإغريقي الخالص، وهو طراز
مؤنث ومجنح في العادة، وبين
هذين الطرازين يأتي ثالث
"خلاسي" فيه خصائص من
الفنين المصري والإغريقي.
أما عن ظهور أبو الهول في
آسيا، فيرجعه المؤلف إلى أن
الآسيويين نقلوه وأدخلوا
عليه بعض التعديلات في شكله
أو طبيعته كي ينسجم مع
الصورة من عقليتهم وذوقهم
الفني. ومن آسيا الصغرى
وميسينا انتقل أبو الهول
إلى بلاد اليونان حيث تطور
إلى طراز خاص دون أن يفقد
خواصه التي تنم عن أصله
المصري. ويفسر المؤلف تحول
أبو الهول إلى أنثى عند
الإغريق بميلهم العنيف إلى
الجمال الجسدي، حيث انجذبت
فكرة "أبو الهول" إلى
طبائعهم العاطفية المحلقة
في الخيال، كما راق الجمع
بين جمال المرأة وفتوة
الأسد ذوقهم الفني، ولعل
أبرز أمثلة "أبو الهول"
الإغريقي تصويرا هو المارد
الذي لعب ذلك الدور المشهور
في أسطورة أوديب. ويذهب
المؤلف إلى وجود تأثير مصري
في أسطورة أوديب، أو وجود
طائفة من عناصر واضح أنها
مصرية الأصل، منها فكرة
السؤال أو اللغز الذي طرحته
أنثى أبو الهول على أوديب
وهو "ما هذا الذي يسير على
أربع أرجل في الصباح وعلى
رجلين في الظهيرة، وعلى
ثلاث أرجل عند الغروب،
ويبلغ أقصى الضعف عندما
تبلغ أقصاها؟". ويوضح
المؤلف أن هناك انشعابا
كبيرا في التقاليد المصرية،
فأبو الهول الإغريقي قد لقي
الهزيمة والمهانة علي يد
أوديب، على حين أن أبو الهول
المصري لم يستأنس ولم يهزم
قط، ثم يتساءل المؤلف قائلا:
فهل يرجع هذا إلى رغبة
الأجانب الباطنة في إذلال
كبرياء أبو الهول الفاتح أو
إلى أن المارد الأنثى، وهي
تشترك مع المرأة في صفاتها
الجوهرية ينبغي بحكم قانون
الطبيعة أن تخضع للرجل؟.
*
المغزى الديني لأبو الهول
والمغزى الديني
لأبو الهول، يرجعه المؤلف
إلى أن أبو الهول اعتبر إلها
للموتى وحارسا لهم، وتلك
صفة يجعلها موضعه عند مدخل
الجبانة أمرا مناسبا جدا.
وقد ترجع هذه الصفة إلى أن
أبو الهول منذ عهد الدولة
القديمة قد سوَّى بأتوم إله
الشمس الغاربة كما ورد في
متون الأهرام.
*
أسماء أبو الهول وألقابه،
وزيارات الملوك والأمراء
له:
وقد تعددت أسماء أبو
الهول وألقابه على مدى
التاريخ ومن هذه الأسماء
والألقاب التي يذكرها
المؤلف: حورم أخت، وأبو
الفزع وهو اسم عربي. كما
تعددت زيارات الملوك
والأمراء من عصر الأسرة
الثامنة عشرة حتى العصر
الإغريقي الروماني، إما
لغرض الحج الديني أو
الرياضة، ومن هؤلاء الملوك
والأمراء: الأمير امنمس ابن
الملك تحتمس الأول (حوالي
عام 1557 ق.م) ويعتبر أول زائر
ملكي لأبو الهول، ثم زاره
بعد ذلك امنحتب الثاني ابن
تحتمس الثالث وخليفته، وفي
حين يشك المؤلف في زيارة
أخناتون لمنطقة أبو الهول،
يؤكد زيارة الملك توت عنخ
أمون له لغرض الحج والصيد
معا. كما زار رمسيس الثاني
بن سيتي الأول أبو الهول
وترك أربعة ألواح تذكارية
تذكارا لحضوره هناك، وزاره
أيضا كل من مرنبتاح الثالث
عشر ورمسيس الثالث ورمسيس
الرابع ورمسيس السادس،
وغيرهم من الملوك والأمراء
الفراعنة. وقد تمتع أبو
الهول بعد ذلك بشهرة واسعة
فزاره بعض أباطرة الرومان
الذين توجهوا بزيارتهم من
ناحية عن حب استطلاع، ومن
ناحية أخرى عن رغبة في
الظهور أمام المصريين بمظهر
المحافظ على التقاليد
الفرعونية وذلك لأغراض
سياسية بطبيعة الحال.
وكما عجب المؤلف من أمر
هيرودوت في بداية الكتاب
حيث سكت عن الحديث عن أبو
الهول على الرغم من حديثه عن
الأهرام، يأخذه العجب أيضا
في نهاية الكتاب فيقول:
"لقد سكت ذلك الثرثار
العجوز هيرودوت عن ذلك
الموضوع، ولم يكن محتملا
يومئذ أن يكون مطمورا
بالرمال تماما في أيامه، إذ
كان لا يزال محتفظا بكهنته،
ولكن الظاهر أنه لم يعد في
نظر التراجمة الذين صحبوا
هيرودوت ذات أهمية كبيرة،
إذ واضح أنه لم ير هذا
الأثر"، ويكرر المؤلف
أسفه قائلا: "مما يؤسف له
أن أبا التاريخ قد سكت عن
هذا الموضوع فلقد كان شيقا
أن نعرف رأيه في ذلك الأثر
الفريد، وما كان عساه أن
يروي من قصة أو ملحة أو غير
ذلك عنه".
*
أبو الهول في الشعر والأدب
وقد كتب شعر
كثير في أبو الهول، كما ورد
ذكره في الكثير من قصائد
الشعراء المصرين والعرب،
وحري بأحد الدارسين أو
الباحثين أن يلجأ إلى عمل
دراسة أدبية عن ذكر أبو
الهول في الشعر العربي.
ونختتم عرضنا هذا لكتاب
"أبو الهول: تاريخه في ضوء
الاكتشافات العلمية
الحديثة" الذي وقع في 208
صفحات بجزء من قصيدة وجدت
منقوشة على قطعة من الحجر
الجيري بالقرب من أبو
الهول، وهي قصيدة تصور رؤى
من الأعياد والمآدب المرحة
التي كانت تقام عند أبو
الهول، والتي كانت تستمر
أحيانا طوال الليل، وما
أشبه هذا بيومنا إذ تغري
ليلة قمراء فريقا من
المتنزهين بمنطقة أبو
الهول، وإذا بسكون الصحراء
يتمزق تارة أخرى بأصوات
الضحك والغناء حيث يهيم
العشاق من الشباب يدا في يد
حول الأهرام.
في الجزء المكتشف من تلك
القصيدة مجهولة المؤلف،
نقرأ تلك السطور:
تلك
جدران طيبة التي أقامتها
الملهمات
ولكن الجدار الذي لي لا يخشى
الحرب
فإنها لا تعرف تخريب العدو
ولا النحيب
بل تنعم دائما بالأعياد
والمآدب
وجوقات الشباب الذي يتجمع
من كل مكان
فنستمتع بالناي، لا بأبواق
الحروب
وإنما الدم الذي يروي الأرض
لمن الأضاحي من الثيران
لا من المطعون من حلوق
الرجال
إن زينتنا من ملابس العيد لا
من دروع القتال
ولا تقبض أيدينا على السيوف
وإنما على كأس الأخوة في
المأدبة
وفي طوال الليل حين تحترق
الأضاحي
إذ تنشد الأهازيج لحرماخيس
ورؤوسنا مزينة
بالأكاليل"
وتؤكد القصيدة
قيمة السلام الذي يحلم به
الإنسان في كل عصر وكل مكان.
وليس غريبا أن تـنبع هذه
القيمة من فم أبو الهول الذي
يربض في مكانه منذ آلاف
السنين، حارسا للصحراء،
وقاهرا للأعداء، ومانحا
القوة والسلام والحكمة
للحكام والأمراء.