الزاهد؛ أبو القاسم القبارى

خيرت السكندرى

حى القبارى من الأحياء الهامة فى منطقة غرب الاسكندرية، وسمى بهذا الأسم نسبة إلى مقام سيدى "أبو القاسم القبارى" وكان هذا الضريح بستاناً عندما توفى الشيخ القبارى، ودفن فيه وأقيم عليه مسجد صغير، ثم أضاف عليه محمد سعيد باشا بعض التوسعات فى القرن التاسع عشر.
وسيدى القبارى هو الشيخ الزاهد أبو القاسم محمد بن منصور بن يحيى المالكى السكندرى المعروف بالقبارى، وقيل أنه سمى بالقبارى نسبة إلى ثمرة القبار التى كان يزرعها فى بستانه ويبيعها لتاجر على سبيل المقايضة.. وكان ميلاده سنة 587هـ-1191م ونشأ بالاسكندرية إلى أن توفى ودفن بها عام 662 هـ 1264م.. وجدير بالذكر أن مكتبة بلدية الاسكندرية تحتفظ بنسختين من مخطوطة تحمل عنوان : "مقامات سيدى القبارى" لأحمد حسن بن عبد الكريم الشاذلى السكندرى المتوفى سنة 1337هـ، وقد آلت هذه النسخ بالاهداء ضمن مجموعة المخطوطات المحتفظة بها مكتبة البلدية إلى الهيئة العامة لمكتبة الاسكندرية.. وإحدى النسختين محفوظة تحت رقم 1685/ب تاريخ، وتقع فى (18) ورقة عدد أسطرها 25 سطر مقاسها 30x20
وهى نسخة جيدة نسخها حسين بن محمد بن محمد بن رجب أحمدين السكندرى المالكى بقلم نسخ سنة 1338ه، وتظهر بها آثار رطوبة وخروم قليلة، مجلدة تجليداً حديثاً. والنسخة الثانية محفوظة تحت رقم 6569/د. تراجم وتقع فى 40 ورقة عدد أسطرها 15 سطرا مقاسها 16.5x12 سم، وهى أيضاً نسخة جيدة كتبت بقلم معتاد سنة 1308 هـ وبها آثار رطوبة وخروم أيضاً.
والشيخ القبارى قد ورث عن أبيه بساتين كان موقع أحدها -وهو الذى فضل أن يمكث فيه- فى الحى المعروف اليوم باسم حى القبارى، والبستان الآخر فى ناحية رمل الاسكندرية.. وقد عُرف عنه التقشف والزهد والتعبد لله، وكان مشتغلاً بزرع البستان، يأكل الخبز والبقول غير مهتم بمتاع الدنيا، وغير طامع فى مال، مقتنعاً فى ذلك بأن النفس لا تصلح إلا بالعزلة، والعزلة لا تصلح إلا بقطع الطمع.
وعلى الرغم من زهده واعتكافه وتنسكه إلا أنه كان يعمل ويعتمد فى قوت يومه على عمله وجهده، ولا يسأل أحد فالعمل عنده واجب.. وكان محباً للناس، خيراً يحب مساعدة الآخرين فكان يترك ساقيته لجيرانه يديرونها ويأخذون منها ما شاءوا من الماء.
ومعروف عنه أنه كان لا يقف لأصحاب الجاه والسلطان، ويرى أن كثرة الجلوس معهم مضيعة للوقت عن العبادة والعمل، وكان مستعداً للآخرة، زود نفسه وسلحها بعتاد الآخرة وكان مبارك الطلعة كثير الورع والخشوع، ومشهور الذكر بين الصوفية، وكان دائماً يأمر بالمعروف.
ومن أقواله: "ما أشتهى لأحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا خيرا" وكذلك "أود لوكان الناس كلهم على الخير" وأيضاً "أحب لكل أحد ما احب لنفسى" ومنها "من قعد فى خلقاه فقد سأل، ومن لبس مرقعة فقد سأل، ومن لبس مسبحة فقد سأل، ومن فتح مصحفاً فى مسجد فقد سأل"
وعُرف عن الشيخ القبارى انصرافه عن الدعاء للناس، وحينما سئل عن ذلك أجاب قائلاً: "يطلب أحدهم من الدعاء بلسانه ويظهر من قرائن أحواله أن قلبه غافل، أن نفسه قاسية على نفسه، فكيف أرق عليه، أو كيف أدعو بلا رقة".
ومما يروى أن الشيخ القبارى ذكر القصة التالية حيث قال: "حضر عندى يوماً أحد أصحاب الملك الكامل وهو فى غاية البذخ -عليه الملبوس الفاخر- وعلى الباب المراكب النفيسة، وبين يديه المماليك الثمينة، وهو يتحدث مع رفيقه ويتضاحكان، ثم سألنى الدعاء، فأجريته كالعادة، فناقشنى وقال: ما للناس يتحدثون بأنك لا تدعو لأحد معين، ويعتقدون ذلك؟ فقلت: أحوجتنى لإقامة الحجة عليك، ألست تعلم أن الدعاء هو طلب العبد الضعيف من الرب الرحيم؟ فقال: بلى. فقلت: ما وجدتها منك، فبأى لسان أدعو، وإن شئتم الدعاء باللسان فهو البندق الفارغ، خرج منه ما شئت بلا قلب، فقامت عليه الحجة"
ومما يروى أيضاً عنه أن الملك العادل سمع عن ورعه، فأرسل إليه كيسا به ألف دينار فأبى أن يأخذه، وحينما زار السلطان الظاهر بيبرس الاسكندرية فى عام 661هـ -1263م طلب أن يرى الشيخ القبارى، فقال الشيخ: من أراد أن يرانى يحضر إلىّ! فذهب إليه بيبرس فى بستانه وسأله إذا كان يريد حاجة.. فأجاب: أريد أن تهتم بتحصين الاسكندرية، فلما خرج بيبرس عاين أسوار المدينة وأمر بترميمها وتحصينها.
كان الشيخ القبارى يدعو إلى مخافة الله وحسن النية وصفاء القلب والتواضع، والناس كلهم سواسية، والقريب إلى الله أتقاهم.. وكان يرى فى العمل عبادة، وفى السؤال مذلة وفى التصوف يجب الابتعاد عن الرياء والتظاهر بالعبادة وعن لبس المرقعات والدروشة.
وتوفى الشيخ القبارى فى 6 من شعبان عام 662 هـ عن عمر يناهز خمسة وسبعين عاما، ودفن فى بستانه فى الجهة الغربية، وأقيم على ضريحه مسجد صغير، وفى القرن التاسع عشر قام محمد سعيد باشا بتوسعته، وعلى مر السنين أقبل أهل المدينة ليقطنوا فى هذه المنطقة التى بها المسجد فازدادت عمراناً وأصبح هذا الحى من أكبر أحياء الاسكندرية وعُرف باسم (حى القبارى)

مـدرسة الشعـــر العربى أرقام قياسية فى الرحاب السكندرى
أمثال شعبية للنجاح اسرار العيادة النفسية