المرحلة
السكندرية فى حياة محمود بيرم التونسى هى مرحلة
النشأة والتكوين التى ظل تأثيرها فى حياة وفن بيرم
حتى النهاية .وتلك المرحلة تتحدد من تاريخ مولده سنة
1893 حيث يقول فى "مذكراتى والديوان الأول"أنه
ولد فى 23 مارس سنة 1893 بحى الأنفوشى بشارع البورينى
بالسيالة.
وتعود أسرة بيرم لأصول تركية، حيث أن أولها (محمد
بيرم الأول) جاء متطوعاً ضمن حملة سنان باشا لإعادة
ضم تونس إلى الدولة العثمانية، أما الإنتقال إلى
الاسكندرية فتم عندما قرر مصطفى بيرم جد الشاعر
الاستقرار فى هذه المدينة بعد أن أدى فريضة الحج،
وتزوج فيها من ابنة صاحب مصنع لنسج الحرير، وآلت
ملكية هذا المصنع إلى ولديه محمود ومحمد -والد
الشاعر-.
أما والدة الشاعر فكانت الزوجة الثانية للأب،
وماتت والشاعر فى السابعة عشرة من عمره، وكان الأب
قد رحل قبلها بثلاثة أعوام، وتزوجت الأم من نجار -من
أصل مغربى- كان متعدد المهن : يصلح الساعات ويعمل فى
طلاء البيوت بالجير، ويمارس مهنة جبر العظام، وسعى
لأن ينقل لأبن زوجته الكثير مما يعرف، ودربه على
مواجهة الحياة مهما قست واكفهرت، وفى ذلك يقول بيرم
فى مذكراته: "هذا الرجل لقننى درس الحياة الأول..
ولذا فأنا إذا انسد أمامى باب نفذت من البلكونة،
وإذا استعصى على الاثنان انزلقت من تحت عقب
الباب"
لكن الانزلاق من تحت عقب الباب كثيراً ما
قاده إلى التمرغ فى أوحال الحياة، وقلة الخبرة
كثيراً ما أوقعته فى مزالق لا حصر لها، فإن الفتى
الصغير يبيع نصيبه من مصنع الحرير ليفتح دكاناً
يبيع فيه الزيت، ويمكن له عمله هذا العودة إلى
غرامه القديم.. القراءة، فقد كان عاشقا لها منذ أن
دفع به أبوه إلى الكتاب، لكن قسوة "الشيخ جاد
الحق" حالت دون استمراره فى الطريق الذى كان
يريده له والده.. أن يكون فقيهاً، وقد ضاق بالتقعر
فى طرق التدريس القديمة "كان فعلن ماض ناقصن
مبنيون على الفتحى لا محل لهو من الاعراب" وترددت
أصداء القسوة وأسلوب التعليم العقيم فيما بعد
عندما كتب ساخراً فى "السيد ومراته فى باريس":
"الواد راخر ما يفهمش يقوموا نازلين عليه
بالعصاية واللكاكيم والمراكيب، مع أن كلمة كان
الواد عارفها وفاهمها من قبل ما يشوف خلقتهم، لكن
لما يلاقيهم بيعاملوه بالشكل ده يفتكر نفسه حمار
وأن حضراتهم العلما الكبار اللى عندهم حل الطلاسم،
يقوم عقله يتبرجل ويضيع ولا يعرف يروح ولا ييجى
ويكره الدروس والمعلمين ويهرب على قد ما يقدر".
لكنه إذا كان قد هرب من الكتاب والمعلمين
فإنه لم يهرب من التذوق والتعلم والتردد بصورة غير
منتظمة على الدروس التى كانت تلقى فى مسجدي المرسى
أبى العباس وياقوت العرش، والاطلاع على ما فى
المكتبات خاصة مكتبة البلدية..وإذا كانت هذه
القراءات قد أمدته بنصيب من الثقافة ، فإنها لم
تطعم له فماً أو تقم له أوداً.
ويجرب مهنة أخرى هى صيد السمك على غرار
ما كان يصنع معظم أهل السيالة ، ولا أصدق منه فى
التعبير عن تجربته تلك التى يقول عنها:"وفكرت فى
وسيلة أخرى للعيش، وحاولت أن أحترف مهنة أهل الحى
وهى صيد السمك، فشاركت صياداً فى قارب صيد يملكه،
بل وخرجت مرة مع صيادى الحى ليلاً لمشاهدة مهنة
الصيد لأول مرة، ولكن الجو كان بارداً ومظلماً
وعاصفاً، والصخور تحيط بالقارب الذى كنت فيه، وأنا
لم أكن أعرف السباحة، ويتعود الصيادون على هذه
الظروف منذ نعومة أظافرهم، فوجدت أننى سأدخل مهنة
قاسية لأتعلمها بعد أن كبرت، ووجدت أن من العسير
تنفيذ ذلك، ففشل مشروع الصيد، كما فشل مشروع
البقالة ومن قبل مشروع تعليمى فى مصنع الحرير ".
وإذا كان الفشل قد لازمه فيما سعى إليه
من مهن وأعمال، فإن الباب الوحيد الذى فتح أمامه
وبدأت تشرق منه أنوار النجاح هو باب الأدب، فقد
رحبت جريدة "الأهالى" السكندرية التى كان يرأس
تحريرها عبد القادر حمزة بنشر قصائد بيرم الهادرة
الناقمة على الاستعمار والقهر والتخلف، كما فتحت
له كذلك أبواب جريدة سكندرية أخرى هى "النجاح"
التى كان يصدرها اسماعيل صبرى الزواوى.. كان ذلك سنة
1916 على وجه التحديد، وهذا التاريخ يحدد بداية
"المرحلة السكندرية"، وهى مرحلة يغلب عليها
التعبير بالفصحى، والملاحظ أن شهرة بيرم فى الزجل
جعلت هذا الجانب يتوارى على الرغم من أنه درس فى
كتيب أصدره عبد الفتاح غبن "بيرم والفصحى"
وعالجه بتوسع عبد العليم القبانى فى كتابه عن بيرم
التونسى، والثابت أن جانباً من شعر الزجل نشر أنذاك
دون أن يحمل أسمه، أو كان يقدمه -بمكافأة أو بدون
مقابل.. الله أعلم- وإذا كان كثيرون قد ذكروا أن بيرم
نظم قصيدته الأولى عن المجلس البلدى وهو فى السادسة
عشرة من عمره، فإن التنقيب قاد إلى كشف قصائد كثيرة
لبيرم نشرت قبل هذا النص، بعضها يحما أسم بيرم،
وبعضها يحمل الحروف الأولى من أسمه الثلاثى "م. ب.
ت"، وبعضها نشر بدون ذكر أسم مؤلفه لكن القرائن
الفنية أو حديثه هو وحديث معاصريه يردها إليه.
وكانت هناك عوامل كثيرة تؤذن بتفجر ثورة
1919 فقد عانى الشعب من القهر وفسادالإدارة وغلاء
الأسعار ، وهذا كله يبين بصورة واضحة من خلال بيرم
وما كتبه ساخراً من لجان التقدير وفرض الأسعار فى
منظومة نشرت فى أخريات سنة 1917 أولها :
|
تعريفة
محكمة التقدير من لجنة
التعسير لا التيسير
اجتمعت فى اسعد الأوقات
وحددت سعر الغذا كالآتى
القمح كل حبة بدرهم ومثله
الأرز وحب السمسم
|
أما قصيدة "المجلس البلدى" فإنها نشرت سنة 1917
وبيرم فى الرابعة والعشرين من عمره -لا فى السادسة
عشرة كما تردد فى أكثر من مرجع- وكان المجلس البلدى
فى الاسكندرية ومعظم أعضائه من الأجانب قد اشتط فى
فرض الضرائب على تجار المدينة وشاع الحجز على
التجار -ومن بينهم بيرم- حتى أفلس الكثيرون الذين
عجزوا عن السداد، فنشر بيرم قصيدة المجلس البلدى فى
جريدة الأهالى ولاقت القصيدة نجاحاً كبيراً.. ومن
أشهر أبياتها:
|
يا
بائع الفجل بالمليم واحدة
كم للعيال وكم للمجلس البلدى
|
ونتيجة لنجاح هذه القصيدة وإندلاع ثورة 1919 واتت
بيرم فكرة إصدار صحيفة سياسية يعبر من خلالها عن
موقفه الوطنى، لكن الرقابة لا تسمح له بذلك ،فيصدر
مجلة سماها "المسلة".. والمسلة -التى لم تصل
منها أعداد كاملة- كانت على شكل كتيبات صغيرة رسم
على غلافها شعار يقول أنها "لا جريدة ولا مجلة"
حتى لا يضطر صاحبها للخضوع لأحكام ضرورة الحصول على
تصريح بإصدارها، وكان صدور العدد الأول منها
بالاسكندرية فى 4 مايو 1919 أى بعد أقل من شهرين من
اعتقال سعد زغلول ورفاقه ونفيهم إلى جزيرة مالطة فى
8 مارس 1919 .
وبعد فترة أنتقل بيرم بالمسلة إلى
القاهرة ونشر فيها زجلاً بعنوان "البامية
الملوكى والقرع السلطانى" وفيه تعريض عنيف
بالسلطان فؤاد مما يؤدى إلى نفى بيرم عن مصر بعد
قليل فى 25 أغسطس سنة 1920 .
يمكن رد سائر ما فى انتاج بيرم التونسى
من خصائص إلى تلك المرحلة السكندرية: الموضوعات
والصور والروح التى تتوثب، الرشاقة والاحساس
المكنون خلف الدعابة، والاقبال على الحياة بحلوها
ومرها.. ومع ذلك فإن المواد السكندرية
"المباشرة" فى أعمال بيرم محدودة نسبياً منها
مراثيه فى سيد درويش، والنصوص التى تتحدث عن
(بلاجات الاسكندرية)
|
الشعب نصه
الجميل نايم عليك يا بلاج
وعن الناس اللى فى ستانلى:
يابو العيون افتينا يا صبر
المسلمين
الناس اللى فى استانلى صايمين
والا فاطرين
ومنها:
|
|
|
سيدى جابر قال دول كفرة ولا
هماش مسلمين
سيدى بشر يقول له اتبحبح
وبلاش تشديد فى الدين
الناس أهى عندى عرايا
بملابس محتشمين
وترد تقول كلوباطرة جرى أيه
يا مدهولين
دى أشعة شمس وفيه مين قال
بتفطر مين
والمولى تعالى خالقنا من
يومنا عريانين
افتينا يا صبر الأمة وأنت
من المأجورين
|
وفى "رمضان على البلاج "يقول بيرم:
فى العام دا رمضان يسلى على
بلاج ستانلى
واتجلى ابليس علينا بكل
معنى التجلى
لكن الاسكندرية تبرز بصورة أعمق فى زجلة "وأنا
اللى جيت من سيالة".. وتجد أصداءها فى أزجاله عن
"بنات بحرى" و "ريا وسكينة" وغيرها، وكذلك
فى نثره وبخاصة فى "المقامة الكانب شيزارية"..
لكن أعمق ما كتبه عنها يتمثل فى زجل يحمل عنوان
"فراق" وفيه يناجى مهد صباه بهذه الترنيمة
الصادحة
|
ياسكندرية
ياللى زاينة البحر الابيض
يا نور عنيه عالشباب وعليكى
يعوض
كتمت نارى من نهار البين فى
ضلوعى
رأيت موانى عن يمينك وعن
شمالك
ما شفت تانى فيه أثر من بعض
جمالك
واللى طويته كان علم يخفق
فى هواكى
فراق ياريته كان فراق الموت
وعزاكى
|
|
وبعد ..فهذا بعض ما أعطت الاسكندرية
لبيرم، وبعض ما أخذت منه، والامتزاج بينهما أعمق
مدى، ولكننا نوجز فنقول إن من شاهد مدينة المدائن
وملتقى الحضارات وأم الثقافات فإنه يكون قد اقترب
من عالم بيرم بكل رهافته وحدسه وبكل جاذبيته وتألقه
وسحره.. ومن غاص فى اعمال بيرم فإنه يكون قد اكتشف
ابعاداً كثيرة مما للإسكندرية من عطاء خصب متدفق
ومن مكانة لا تبلى على مر السنين
|
| |