‏عودة العجوز إلى البحر
Ngm2.jpg (10567 bytes)
السيد نجم

     (1)

.. كان يحدثنى عن نفسه، بلا مقدمات تجعلنى أتعاطف معه أو انتبه إليه، فقد تعلقت أكثر بركام الأمواج الهامدة تحت ناظرى.
أظن أنه قال، ضمن ما قال:"أنا البحار العجوز الذى يجالسك كل يوم.. أنا الذى أقسمت لك بأننى سوف أعود إلى البحر.."
ولأنها لحظة من زمن الأصيل الشتوى الجميل، تمنيت لو قبض عليها، فلا أدعها تفلت من بين جفونى وأذنى وأطراف أصابعى.
عمداً لم أنتبه إلى هؤلاء الباعة المتجولين الذين لا يجدون فيما أنا ذاهب إليه، سبباً وجيهاً للصمت، ولابتعادهم عنى حاولت أن افتعل شردة المتأمل لأحد الشعراء أو النساك أو حتى ذاك المتخصص فى علوم البحار.. فشلت.

     (2)

.. كنت حتماً مندمجاً إلى حد ما فيما عزمت عليه وانتويته، وإلا ما تعلقت بذلك الطائر الأبيض الذى أجهل اسمه وشكله بالضبط. تماماً كجهلى فى معرفة سبب واحد يبرر لى سر وجوده وطيرانه هكذا.. وحده.
شغلنى الطائر الغريب أكثر من ثرثرات العجوز، ذاك الذى ما فتئ يتابع ويكرر فكرة فى رأسه هو.. يقول:"مثلى لا يعرف السير فوق طرقات الإسفلت.. قضيت عمرى بين موانئ العالم، مع ذلك لو أزر مدينة واحدة لا تطل على البحر، حتى طنطا مسقط رأسى.."
صمت وحده، كما تابع وحده:"لكننى كتبت فى وصيتى بأن يدفنونى فيها، لأن أبى وأمى وأهلى كلهم دفنوا.." تمنيت لو لم أسمعه.. عجزت.

     (3)

.. وكانا يجلسان متجاورين فوق رمال رطبة ناعمة، تحت رأسى، وأنا أعتلى سور الكورنيش. قدماى، مدلتان فى الفراغ. أدق كعب حذائى فى إيقاع لا أتعمده، وأنا أتلصص تفاصيل تلك الجلسة بين الفينة والفينة.
رائحة البحر الطازجة، لم تكن بريئة تماماً، خليط هى لبقايا تتعفن.. ألقاها الموج فى الركن الصخرى البعيد، وشكشكات ملح يتمرد.. من قبضة الموج الهامدة فى استرخاء.
مشهد العاشقين، ورائحة البحر، مع وطأة لفحة هواء ليست باردة تماماً.. أتاحوا لى فرصة ذهبية لأن أدخن سيجارة بنهم، وكأننى احتويت العالم كله.. كشفت سر الكنز.
كاذب ذلك الذى تسأله عما يفكر فيه وهو شارد! لأنه يقسم لك:"فى اللا شئ".. ذلك لأننى ببساطة خلال تلك الشردة كنت أبحث عن سبب فى رأسى يبرر لى رغبتى فى القتل! مثل هذا البحار العجوز لا يصاب بأمراض القلب أو ضغط الدم، لأنه يفضفض ولا يترك لأفاعيل الأيام فرصة ولو ضئيلة جداً لأن تقرض تلافيف رأسه. فهو ما زال يثرثر، علنى أرد.. ويقول:"أرجوك لا تخبر أحدهم عن السر الذى عرفته منى.. خصصتك بالسر لأن أحداً ما كان سيفهم ما أعنيه فى هذه المدينة الغبية.. وأيضاً لأننى عشت كل أيامى مع البحر الذى طغى على كل شئ.. فهو يشغلك فى هدوئه وفى ثورته، فى امتداده وانحساره.. فى كل شئ.. كل شئ.. أحذرك من إفشاء السر، فالخونة وحدهم يفشون الأسرار..!!"
شغلنى الرجل بسره الذى لم أعرفه، استنهضت كل خبرتى ومداركى، لم أفلح.. انهرت.

     (4)

تهيأت لأن أعبر ما انا فيه، بينما تلك الأنامل غير الرقيقة تقبض فخذى كى انتبه. كان لها ما أرادت، تلك الطفلة الشعثة الغبراء، ترجونى أن أقرضها مبلغاً من المال. نعم، نطقتها هكذا:"سلفنى شلن أشترى رغيف!!".
لم أشعر برغبة حقيقة لأن أقرضها أو حتى لأن أزكى عن معدتى التى تلتهم الخبز ليل نهار.
العاشقان اتشحا بحداد ليلة قادمة، كأنهما نذرا لله ليلة ليلاء فى العراء. انشغلت بهما أكثر كثيراً، كأن ستار الليل مدعاة لأن أسعى، لأن أفض غلالة المستور عنوة.
ذاك العجوز الذى لم يكف بعد عن الثرثرة.. لم يعد يشغلنى أبداً. اكتفيت بما رأيت، فيما يرى الجالس فى الظلمة: شبحين عاريين يتأهبان للغوص.. للصراع.. فيتلامسان.. يتلاصقان.. يتداخلان.. يأويان بعضهما البعض.. لا يهمدان عن الحركة كما الإوز الخائف.
من المضحك أن نعتقد بالتناسخ وبالأشباح، لكننى أيقنت أن الثرثار ما زال يسعى، يتمنى لو يسرق روحى، يدسها فى رأسه وصدره وبين فخذيه.. خلته على أهبة الاستعداد لأن ينقض ويفعلها. استغل البحار العجوز السواد الذى كسا مشهد العاشقين والبحر، واستغل انشغالى بهسيس الموج.
بادرته، فسألته على حين غرة، وببساطة طلبت منه أن يصمت لأننى غير متعاطف أبداً مع سره الذى لا أفهمه ولم اعرفه.
وبنفس القدر من الهدوء، عاد سيرته الأولى، لكنه أوجزها هذه المرة قائلاً:"أنا العجوز الذى أقسمت بأننى سوف أعود إلى البحر.."
الرجل الذى قابلته صدفة أو عنوة، أشعل فىّ رغبة لا يمكننى أن أصفها، شلت الكلمات على أطراف لسانى، لعله الصمت الذى هو جذر الكلام عند "النفرى"، الصمت الذى طال أكثر من اللازم، الصمت الذى يسبق كل شئ، حتى تلك القبضة القوية التى لاذت برقبته، ونالت من ثرثرته.. فصمت.‏‏

 
‏رقصات .. مرحة لبغال البلدية حــــــــــالـــــــة انــــــــــــــزل عــودة العـــجوز إلى الـبــحر