‏الخطط التوفيقية لمدينة الإسكندرية

Shablol.jpg (3953 bytes)
عرض : أحمد فضل شبلول

  صدرت الطبعة الأولى من كتاب "الخطط التوفيقية لمدينة الإسكندرية" بقلم علي باشا مبارك عام 1889م، وبمناسبة مرور مائة عام على تأليفه وطباعته قامت مكتبة الآداب بالقاهرة بتصويره وتقديمه للقارئ العربي عام 1989 ـ كطبعة جديدة مصورة، (أي بالحروف والأبناط القديمة نفسها التي ظهرت بها في عام 1889).

Alexbook.jpg (36686 bytes)

  ولم يقصد مؤلفه علي باشا مبارك عقد مقارنة بين الماضي والحاضر ـ كما نفعل الآن ـ ولكن طريقة السرد والتأليف تجعلك تقف وحدك على الفارق بين الإسكندرية في العصر البطلمي (أي العصر الذي حكم فيه البطالسة المنتسبون إلى بطليموس الأول مصر، وجعلوا من الإسكندرية عاصمة لها، بل عاصمة ثقافية للشرق كله قبل الميلاد) والإسكندرية منذ الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص واختيار الفسطاط لتكون عاصمة لمصر حتى دخول الفاطميين وبناء القاهرة واتخاذها عاصمة لمصر.

إن اختيار مدينة غير الإسكندرية عاصمة لمصر جعل دور الإسكندرية يتراجع شيئا فشيئا حتى طواها النسيان، وامتدت لها يد الإهمال، وأصبحت مرتعا للجهل والفقر والمرض، فهجرها معظم أهلها وأخذ البحر يضربها بقوة علها تُفيق من سباتها وغفوتها، إلى أن اعتلى عرش مصر محمد علي باشا عام 1805م فبدأ يتجه بأنظاره إلى هذه المدينة المهملة التي ستلعب دورا كبيرا في اتصاله بالغرب (فرنسا على وجه الخصوص). لقد أصبحت الإسكندرية البوابة الكبرى التي ستعبر منها بعد ذلك التجارة الغربية والأسلحة إلى جانب الثقافة والحضارة الغربية، ويكفي أن نعلم أن هذه المدينة لم يكن بها سوى عدد قليل من الأجانب قبل عهد محمد علي، ثم وصل عددهم بعد ذلك إلى 47.316 نفسا في عام 1872م. كما أن عدد أهالي الإسكندرية كانوا قبل عصر محمد علي 8000 نفس، ثم أصبحوا 60.000 بعد توليه الحكم. وفي عام 1830م بلغ عددهم 130 ألف نفس. وفي عام 1872م وصل العدد إلى 212.043 نفسا.

إن هذا التصاعد في عدد سكان المدينة سواء من جانب الأهالي أو الأجانب يشي بأن الإسكندرية بدأت تستعيد شيئا من اهتمام الحكومة المصرية بها. ليس هذا فحسب بل أصبحت العاصمة الثانية لمصر.
ويتحدث المؤلف عن كل مظاهر الحياة في تلك المدينة الساحلية، وبخاصة بعد بناء ترسانة الإسكندرية التي جذبت آلاف العمال والحرفيين والمهنيين والمهندسين للعمل بها، وهو يدعم حديثه بالإحصاءات والبيانات والأرقام والتواريخ، غير أنه أحيانا يكتب التاريخ الهجري دون المقابل الميلادي له أو العكس، فمثلا يتحدث عن مسجد سيدي ياقوت العرش (ص 69) فيقول: "تهدم وهجر فجدده أحمد بيك الدخاخني شيخ طائفة البنائين بالإسكندرية سنة 1280 هجرية وأقام شعائره) دون ذكر المقابل الميلادي. وعندما يتحدث عن المراكب التي دخلت الميناء يذكر السنة الميلادية فقط، فيقول (ص 79): "وبالاطلاع على هذا الجدول نعلم أن المراكب الواردة على ذلك الميناء آخذة دائما في الزيادة ابتداء من سنة 1873 ميلادية إلى وقتنا هذا". وأحيانا يذكر التاريخين، فمثلا عندما يذكر تاريخ عمل هويسات المحمودية (ص 51) يذكر أن ذلك كان سنة 1842 ميلادية الموافقة سنة 1258 هجرية. وأعتقد أن ذكر التاريخين على هذا النحو هو الأولى أن يتبع في كتاب تأريخي مثل هذا الكتاب.

إن الكتاب بطبعته الحالية ـ التي هي صورة من طبعته الأولى (بولاق 1889م) شديد الصعوبة على القارئ العادي، فالحروف متراصة بطريقة متداخلة، والموضوعات غير مفصولة عن بعضها البعض، أو لا يوجد تنسيق في التبويب، وهناك كلمات يجب توضيحها أو شرحها للقارئ العادي، لأنه ربما تكون دلالتها قد تغيرت الآن عما كان موجودا وقت تأليف الكتاب. وهناك العديد من الكلمات الأجنبية مكتوبة بالحروف العربية، وكان يجب وضع الترجمة العربية الصحيحة لها، وكان على مكتبة الآداب ومطبعتها وهي تتهيأ لتقديم طبعة جديدة لهذا الكتاب أن تتلافى مثل هذه العيوب الفنية وتقدمه بطريقة عصرية تتماشى مع ما هو سائد الآن في عالم النشر والطباعة.

ولعل أهم مرشد يدخلك إلى عالم الكتاب هو الفهارس التي أعدها عبد الرحيم يوسف الجمل وتتكون من الفهرس العام الذي بلغ عدد صفحاته ست صفحات (متن الكتاب نفسه وقع في 95 صفحة) وفهرس الأعلام (8 صفحات) وفهرس الأماكن والبلدان (16 صفحة) وكلا الفهرسين (الأعلام والأماكن والبلدان) يحددان للقارئ أو الباحث رقم الصفحة والسطر، وهو لاشك عمل علمي وخدمة بحثية مطلوبة وخصوصا في مثل هذه النوعية من الكتب المعرفية التي تجمع بين التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والعمران وتخطيط المدن، وغيره من أنواع المعارف البشرية.

يبقى لنا كلمة في نهاية هذه السطور، وهي ضرورة إعادة طباعة هذا الكتاب طباعة عصرية جديدة، ودعمه بالصور عن الإسكندرية القديمة والإسكندرية الحديثة، وغيرها من وسائل الإيضاح وأساليب المقارنة. وحبذا لو أكمل أحد الباحثين الصابرين الأوفياء مسيرة علي باشا مبارك، وأضاف إلى جهوده جهودا جديدة تبدأ من العام الذي انتهى فيه مبارك من وضع كتابه "الخطط التوفيقية (نسبة إلى الخديوي توفيق) لمدينة الإسكندرية عام 1889، وحتى عام 2000 على سبيل المثال.
وليت محافظ الإسكندرية المحبوب اللواء محمد عبد السلام المحجوب الذي تشهد المدينة على يديه الآن تطورات مماثلة لما شهدته في عصر محمد علي باشا، يوجه اهتمام المسئولين في هيئة تنشيط السياحة بالثغر، أو فرع ثقافة الإسكندرية، بطباعة مثل هذا الكتاب طبعة جديدة وأنيقة مثلما حدث مع كتاب "الإسكندرية على مر العصور".

وليت المسئولين عن إدارة مجلة "أمواج سكندرية"، أن يفكروا في وضع هذا الكتاب بكامله في مجلد خاص به على شبكة الإنترنت.