‏الأفغانى والتصوف

Ossama00.jpg (10367 bytes)
د. يوسف زيدان

    يعد جمال الدين الأفغانى (1839-1897) من أكثر الشخصيات البارزة فى تاريخنا الحديث مدعاة للدهشة.. فهو ثائر لا يهدأ، يدهشنا بطاقته الهائلة على الترحال والتثوير هنا وهناك.. وهو مناضل سجالى، يدهشنا بتحولاته التكتيكية بين الأفغان والفرس والعرب والفرنسيين والإنجليز والروس والأتراك، بحسب ما تقتضيه لحظته الثورية.. وهو جامع بين النظرية والتطبيق، بحيث يدهشنا خوضه فى المباحث النظرية والمناظرات الفلسفية والتاريخية، وخوضه ‏-‎‎على الجانب الآخر- فى عالم التنظيمات السرية ذات الطابع الثورى الرامى إلى الإصلاح الاجتماعى والسياسى.

   ومن مدهشات جمال الدين الأفغانى علاقته بالتصوف!
فقد كان الغالب على الرجل عبر مراحل سيرته الحافلة أنه كان على وعى كبير بطبيعة المكونات السياسية والدينية للعالم الإسلامى فى عصره، ومع ذلك تراه يهمل كياناً دينياً واجتماعياً مهماً؛ هو الطرق الصوفية، وقد دلت الشواهد التاريخية، كما دلت الدراسات المعاصرة؛ على أن الطرق الصوفية، إبان حياة الأفغانى ‏-‎‎وقبله وبعده- كان لها من الحضور والفاعلية والتأثير، بحيث يتعين على مصلح ثائر مثل جمال الدين الأفغانى، أن ينتبه إلى الدور الكبير الذى يمكن أن تلعبه الطرق الصوفية آنذاك فى تحقيق المشروع النهضوى المأمول، ويمكن الرجوع إلى ما فصَّله بيتر جران فى كتابه (الجذور الإسلامية الرأسمالية) من حضور فاعل للطرق الوفائية والخلوتية وغيرهما فى مصر آنذاك، كما يمكن ملاحظة الدور الكبير للطريقة الرفاعية فى مصر وتركيا، وهو ما تمثَّل بشكل لافت فى شيخ رفاعى كان له عظيم الأثر فى أهل زمانه، وفى السلطان عبد الحميد؛ أعنى: أبا الهدى الصيادى، كما يمكن النظر باهتمام إلى واقع تاريخى ذى طابع ثورى يتسم بالنضالية، نراه فى حركات تحررية قادها متصوفة من أمثال: المهدى فى السودان- ماء العينين القادرى فى الصحراء المغربية- عبد القادر الجزائرى- عمر المختار‏...‎‎ إلخ؛ فكيف غفل الأفغانى عن أهمية الطرق الصوفية لمشروعه النهضوى، وكيف أهملها إهمالاً شبه تام ؟
ومن ناحية أخرى، فقد نُقل عن الشيخ الإمام محمد عبده، أن شيخه الأفغانى كان (شديد التقوى والورع مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية) وهو وصف لا يستقيم مع ما عرفناه من سيرة الأفغانى وخلافه فى آخر حياته ‏-‎‎فى بلاط السلطان عبد الحميد- مع الشيخ الصوفى أبى الهدى الصيادى، حتى أن الأخير كان يسميه: المتأفغن.. بل لا يستقيم هذا الوصف مع صورة التصوف فى ذهن جمال الدين، إذ فى المرة النادرة التى تعرَّض فيها الأفغانى للتصوف ‏-‎‎وليس للصوفية أنفسهم- تراه يطرح مفهوماً عجيباً ينقله عنه مدِّون (خاطرات جمال الدين الفغانى) يتضمن نزع خصوصية التصوف عن المسلمين بحيث ينص الأفغانى على أن:"رجال الدين الكتب السماوية كانوا على حقيقة من التصوف فى المعنى" بل يؤكد صوفية اليهودية، لأنها ‏-‎‎بنص عبارته- تقول على لسان الإله:"إسرائيل ابنى البكر" يقول الأفغانى:"ومثل هذه الكلمات والأقوال، لا يسعنا إلا أن نقول إنها تصوف..".
هذه الصورة المشوشة للتصوف فى ذهن جمال الدين، وهذا الإهمال الكامل لأهمية الطرق الصوفية فى عصره، بالإضافة إلى الخلاف الغامض بين الأفغانى والصيادى.. كلها من الأمور المدهشات التى تقتضى البحث المتأنى لطبيعة العلاقة بين الأفغانى والتصوف. ‏‏

 
‏الأفــــغــــــــانــى والـــــتصـــوف ‏إسرائيل وتحديات قـــناة الســـويس ‏الابتكار والإبداع فى عصر العولمة