عاطف يوسف

السلطة والأمثال الشعبية

 ما هو المثل؟ هو عبارة عن قول مأثور يتضمن نصيحة شعبية، أو حقيقة عامة، أو ملاحظة تجريبية أو حتى موقفا ساخرًا من عادة اجتماعية أو أسلوب سياسى معين . ومن خصائص المثل الشعبى شيوعه وكثرة استعماله بين الناس فى عصر معين، أو حتى فى عصور متباعدة . ولأن الأمثال الشعبية كانت تتصف أيضًا بالتداول الشفوى بين أفراد الشعب، فلم يهتم العلماء بتدوينها، ولعل أحد أسباب ذلك يرجع إلى أنها كانت تصاغ باللهجة العامية، التى كان العلماء يهملونها أو يسقطونها من اعتبارهم.
من الذى يصوغ المثل الشعبى؟ شخص على درجة عالية من الحكمة، ولديه قدرة على التركيز، وموهبة خاصة فى استخدام اللهجة الشعبية، وجودة اختيار ألفاظها . ولو كان علماء البلاغة قد وجهوا اهتمامهم قليلاً إلى كثير من الأمثال الشعبية لوجدوا فيها جمالاً أدبيًا لا يقل بحال من الأحوال عن الجمال الموجود فى أدب الفصحى. فى الأمثال الشعبية : يوجد السجع، ويوجد الجناس، ويوجد الطباق، ويوجد الخيال، وتوجد الصورة المعبرة بدقة عن الموضوع المجرد المراد الإمساك به فى شبكة الألفاظ، كما أن الأمثال الشعبية تتميز بالإيجاز الشديد وهو اختصار المعانى الطويلة أو المتعددة فى ألفاظ قليلة معدودة، كما أن صياغة المثل تهدف إلى جريانه على ألسنة العامة، وسهولة حفظه لمن يسمعه ولو مرة واحدة، لذلك نذهب إلى أن (مؤلفى الأمثال الشعبية) بالإضافة إلى كونهم حكماء، كانوا أدباء بامتياز، ومع ذلك فقد فضلوا عدم ذكر أسمائهم، والوقوف بصمت وتواضع خلف إنتاجهم الذى كتب له الشيوع والاستمرار، ربما أكثر مما كتب فى أدب الفصحى !
مصادر المثل الشعبى السلطات الحاكمة أو المسيطرة نظرًا لما كان يحدثه من تعبئة الرأى العام ضدها . كيف تكون حضارة مصرية كبرى بهذا الحجم، وتاريخ مصرى طويل بهذا الامتداد والتراكم – دون أن يظهر فيها فلاسفة أو مفكرون؟  أن افتقاد جو الحرية، الذى يسمح للفلسفة أن تنشأ وتزدهر، كان وراء ندرة عدد الفلاسفة المصريين، لأن الحضارة المصرية القديمة كانت تقوم على نظام حكم يعتبر الكهنة أحد أركانه الأساسية . وهؤلاء الكهنة كانوا مفكرين ولكنهم وظفوا فكرهم لصياغة العقائد الدينية التى تكرس حكم الفرعون، إلى حد أن جعلته إلها .. أما العصور اللاحقة، فقد امتدت فيها فترات الاحتلال الأجنبى لمصر، حتى كان يصل أحيانا إلى (670) عاما متواصلة وفى مثل هذا الاحتلال، يصعب أن يظهر فيلسوف مصرى يدعو إلى مبادئ الحرية والعدل والمساواة وكرامة الإنسان لكن التوازن كان لابد أن يحدث، ولذلك راح حكماء الشعب السرّيون يصوغون خلاصة تجاربهم، وأرائهم، وملاحظاتهم الصائبة فى الأمثال الشعبية، التى أصبح لدينا منها تراث يحتوى على مجموعات تضم عشرات الآلاف  التي تكون في النهاية الفلسفة المصرية المنشودة.
تعليقات
لا يوجد تعليقات