د. محمد السعيد بن غنيمة

قراءة للمشهد السياسي الجزائري

 تتصاعد الأزمة في الجزائر من يوم لآخر في مشهد دراماتيكي ينبئ  بطولها ويخطئ  من يتصور ان الأزمة في الجزائر كانت أزمة تتلخص في  المطالبة برحيل عبد العزيز بوتفليقة من سدة الحكم فقط، وهو الذي حكم الجزائر 20 سنة، حيث طوال هذه السنوات تغيرت الكثير من الممارسات في العملية السياسية  انعكست بالسلب على الوضع في الجزائر بشكل عام  مما عقد الأزمة في الوقت الراهن وأنتج لنا نخبًا ضعيفة لا تقوى على عملية التغير الحقيقي مع انتشار كبير للفساد في مختلف المؤسسات،  ولم تكن استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بتاريخ 2مارس 2019 إلا جزء من حل مشكلة وليست كل الحل فحراك 22 فبراير أصبح يطالب برحيل جميع رموز حكم بوتفليقة مع تغير شامل مما عقد عملية  انتقال السلطة  بسلاسة مع تزايد الاحتجاجات من يوم لآخر  وهناك العديد من العوامل الاساسية التي ساهمت في  زيادة الاحتقان أكثر، أهمها ضعف تأثير النخبة على المجتمع  ويمكن رصد مواطن ضعفها كما يلي :                  
ضعف النخب السياسية (الأحزاب السياسية):
يتواجد في الجزائر حوالي 64 تشكيلة سياسية معتمدة من وزارة الداخلية والجماعات المحلية حسب آخر الاحصائيات. لكن معظمها غير فاعل  تنقسم الأحزاب السياسية في الجزائر حاليا لقسمين رئيسيين هما  أحزاب السلطة او كما تسمى أحزاب الموالاة والمشكلة من أربعة أحزاب رئيسية (حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي وحزب تجمع أمل الجزائر وحزب الحركة الشعبية الجزائرية ) وهي الأحزاب الرئيسة الداعمة للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة،  والتي كانت تتبنى برنامجه وتوفر له الغطاء السياسي خلال السبع السنوات الاخيرة حيث تنازلت هذه الأحزاب عن برامجها وتبنت برنامج واحد هو برنامج  عبد العزيز بوتفليقة مما أثر على أدائها بشكل كبير، حيث أصبحت مجرد أداة فقط لتمرير هذا البرنامج  والترويج له مع تقاسم للمناصب بينها بشكل أثر على النضال داخل هذه الأحزاب التي أصبحت شبه مؤسسات ادارية يغير  المسئول بها بقرار من محيط الرئيس السابق  وخاصة على مستوى حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي مع سيطرة لوبيات المصالح عليها.
وقد انعكس ما سبق على مرشحيها بمختلف المجالس المنتخبة وخاصة البرلمان حيث اصبح المعيار الاساسي للترشيح بها هو المال والولاء وليس الكفاءة والنضال ،  فهذه عوامل ساهمت في عزل هذه الأحزاب على المجتمع وعزوف النخب في الانخراط بها مما افقدها الامتداد الشعبي، لكن نقطة التحول كانت عندما اجتمعت هذه الأحزاب الاربعة بتاريخ 2 فبراير 2019  وأعلنت ترشيح  عبد العزيز بوتفليقة المنتهية عهدته  لعهدة رئاسية جديدة وهو  في وضع صحي حرج ولا يقوى على اداء مهامه الدستورية على أكمل وجه في مشهد استفز المجتمع الجزائري ودفعه للخروج للشارع  في أول جمعة بتاريخ 22 فبراير 2019 رافضًا استمرارية حكم بوتفليقة  ومطالبًا بالتغيير
الشق الثاني من الأحزاب هي أحزاب المعارضة التي لم تستطيع إحداث أي تغيير في المشهد السياسي الجزائري رغم توفر المناخ المناسب في السنوات الاخيرة لهذا التغيير، حيث كان واضح انتشار الفساد والمحسوبية في العديد من القطاعات مع غياب الرئيس منذ سنة 2012، وحاولت أحزاب المعارضة توحيد صفوفها في أكثر من مبادرة؛ حيث انشأت تنسيقية للانتقال الديمقراطي التي عقدت أول اجتماعاتها في 10 يونيو 2014 سمي بلقاء" مزفران 1" والاجتماع الثاني "مزفران 2" في مارس 2016 بمشاركة 100 شخصية منها 37 تشكيلة سياسية. لكن لم تنجح في إحداث أي تغيير. واقتصرت مطالبها آنذاك في انشاء الية مستقلة لمراقبة الانتخابات وضمان شفافيتها مع انتقال سلس  للسلطة، وتفادت كل التشكيلات السياسية الدعوة بشكل صريح للنزول للشارع خوفا من الانزلاقات التي قد تحدث بالرغم من ظهور بعض الحركات كحركة بركات ومواطنة وبعض الشخصيات التي نزلت للشارع، لكن لم يكن لها صدى كبير في  المجتمع فنظام بوتفليقة نجح في العشرين سنة الماضية في إضعاف كل معارض له، حيث عانت أحزاب المعارضة من التضييق والحركات التصحيحية بداخلها وكذلك عدم اعتماد أحزاب جديدة قد تنجح في إحداث تغيير حقيقي  بالجزائر.                                                                                                
فالنخبة السياسية في الجزائر والمتمثلة بالأحزاب بشقيها "أحزاب السلطة والمعارضة" لم تنجح في إقناع المواطن الجزائري بالانخراط في العملية السياسية. لذلك نلاحظ اليوم ان الحراك الشعبي ومنذ بدايته في 22 فبراير الماضي ترفض  هذه الأحزاب، بل يطالب رموزها بالذهاب وخاصة أحزاب السلطة  أما المعارضة التي أصبحت ترافق مطالب الحراك ولكنها لا تؤثر به  بل أصبح بعض ممثلي المعارضة يجدون صعوبة بالغة في المشاركة بالمظاهرات التي تُنظَم كل جمعة حيث يواجه رموزها الطرد من المسيرات مثل ما حدث مع لويزة حنون رئيسة حزب العمال وموسى تواتي رئيس الجبهة الوطنية الجزائرية؛ حيث رفض المتظاهرين مشاركتهم في المسيرات كل هذه العوامل جعلت  من الحراك اكبر بكثير من الأحزاب السياسية وأصبح دورها هامشيًا في وقت حساس كان من المفترض هي من تقود التغير  بالجزائر.
ضعف منظمات المجتمع المدني:
 يتواجد بالجزائر أكثر من 1020 جمعية وطنية وأكثر من 94000 جمعية محلية معتمدة من وزارة الداخلية والجماعات المحلية  ومصالحها حسب الاحصائيات المنشورة بموقع الوزارة، لكن ما يعاب على كل منظمات المجتمع المدني أن أنشطتها موسمية،  وتعتمد على إعانات الدولة للناشط وهذا لا ينفي وجود منظمات مميزة ونشطة لكنها قليلة جدًا، فهذه المنظمات بمختلف أنواعها والتي تعتمد الطرق التقليدية في النشاط لم تستطيع خلال السنوات الأخيرة استقطاب وتجنيد المواطنين للانخراط بها بقوة وخاصة فئة الشباب بل في كثير من الأحيان توجه لها سهام النقد لضعف أدائها وضعف تأثيرها بالمجتمع. مما ساهم في ظهور الكثير من المجموعات التطوعية غير المعتمدة، حيث تنشط في منصات التواصل الاجتماعي وتنظم نفسها بشكل افتراضي لكنها تقوم بأنشطة مميزة في الميدان وخاصة في شق التكافل الاجتماعي وحمالات التوعية والنظافة. فهذا الأسلوب الجديد للنشاط أثر على المنظمات التقليدية وجعلها بلا منخرطين، فمعظمها أصبح معتمد على الورق فقط دون وجود نشاط ميداني حقيقي لها، لذلك نجد اليوم أن الحراك الشعبي لم تستطع هذه المنظمات أيضا التأثير به لعدم قدرتها على التجنيد وضعف فعاليتها والكثير منها قد انخرط في دعم برنامج الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة مما أفقدها المصداقية.  ويرى الكثيرين أن هذه المنظمات لا تقوم بدورها الحقيقي في المجتمع بل تسعى لخدمة مصالح منخرطيها فقط، مما ساهم في تعميق الأزمة الآن في الجزائر بهدم هذه القنوات التي لو كانت لها تأثير في المجتمع خلال السنوات الماضية لكانت الان جزءً من الحل وتساهم بشكل فعال في حل الأزمة الجزائرية.                                                                                      
يمكننا القول أن نظام بوتفليقة قد نجح في العشرين السنة الماضية في تدجين النخبة السياسية ومنظمات المجتمع المدني وأضعفها بشكل جعلها غير مؤثرة في المجتمع. لذلك حراك 22 فبراير كان حراك الشعب ككل وتجاوز هذه النخب بكثير، ولم تكن استقالة بوتفليقة إلا مقدمة لفتح نقاش معمق حول الأزمة في الجزائر.                                                                                                  
جوهر الأزمة حاليًا:
هناك ثلاث نقاط رئيسية الآن تُشكّل جوهر الأزمة في الجزائر وعدم إيجاد حلول لها سوف يطيل من الأزمة أكثر وهي:
1- الحراك في الجزائر حاليًا أنه بدون قيادة وبالرغم من مرور شهرين منذ بداية الحراك إلا أنه لم تظهر قيادات حقيقية للحراك، ورفض الحراك تعيين ممثلين له لتفاوض أو الحديث باسمه ولا يوجد إلى الآن من يشكل الإجماع أو التوافق لتمثيل الحراك في عملية تفاوض مع السلطة. وهي نتيجة حتمية لغياب النخبة طيلة السنوات الماضية والكثير يرى أنه لا يجب التفاوض قبل رحيل كل رموز حكم بوتفليقة وعلى رأسها رئيس الدولة الحالي عبد القادر بن صالح والوزير الاول نور الدين بدوي.                                                          
2- الجدل حول الحلول الدستورية للأزمة؛ فهناك من يرى التمسك بالحل الدستوري والقانوني وهو ما تؤيده المؤسسة العسكرية منذ بداية الأزمة وترى بأنه لا يجب الخروج عن الحل الدستوري ومن يرى بضرورة الذهاب للحلول السياسية لأن الدستور الحالي لا توجد به حلول حقيقية ترقى لمطالب الحراك الشعبي وهو ما تطالب به المعارضة حاليًا.                                                                      
3- رفض فرض الأمر الواقع وضرورة تأجيل الانتخابات الرئاسية المزمع إجرائها في 4 يوليو؛ حيث شكلت دعوة رئيس الدولة الحالي للانتخابات بنفس الآليات السابقة شرخًا كبير في الأزمة وعمقتها أكثر. حيث رفض نادي قضاة الجزائر الاشراف على الانتخابات ورفض الكثير من رؤساء البلديات بكل من ولاية تيزي وزو وبجاية والبويرة وجيجل أيضًا المشاركة في التحضير لهذه الانتخابات وتتوسع دائرة الرفض من يوم لآخر.                                                            
إن الحل الحقيقي للأزمة في الجزائر الآن يجب أن يكون سياسيًا ودستوريًا في نفس الوقت ولذلك نقترح ما يلي:
1 – تفعيل المادة 7 و8 من الدستور والتي تنص على أن الشعب مصدر كل سلطة، وذلك لتلبية مطالب الحراك التي يرتفع سقفها من يوم لآخر وتكون هذه المواد المضلة القانونية للإجراءات السياسية التي ستتخذ لحل الأزمة.                                                                                         
2 – استقالة الحكومة الحالية وتعيين حكومة كفاءات توافقية مع تقليص الحقائب الوزارية. وتكون حكومة تصريف أعمال تشرف على ضمان السير الحسن لمختلف المؤسسات في هذه الفترة.                                                
3-استحداث آلية مستقلة لمراقبة الانتخابات توفر لها كل الامكانات الضرورية لتنظيم الانتخابات الرئاسية وهي من تشرف وتعلن نتائجها.                         
4 – تعديل قانون الانتخابات لضمان المساواة بين جميع المرشحين وهو مطلب مشترك لكل الطبقة السياسية حاليًا.                                                
5- استقالة رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، بعد تعيين شخصية توافقية تحظى برضى الحراك على رأس المجلس الدستوري والذي يتولى شؤون الدولة بعد استقالته حيث أن تعين السيد كمال فنيش لم يحظى بالحد الادنى من الاجماع لذلك يجب تعين شخصية معروفة وتوافقية تكون الضامن لسير المرحلة القادمة إلى حين إجراء الانتخابات الرئاسية ويجب ان لا تتجاوز هذه المرحلة ثلاثة أشهر أو خمسة على اقصى تقدير.                                                      
هذه الحلول المقترحة للأزمة في الجزائر هي حلول ظرفية لتسهيل الانتقال السلس للسلطة بالجزائر والعودة للمسار الانتخابي أما الحلول الحقيقية للأزمة فيجب أن تكون على الأمد البعيد وتتمثل في رفع الوصاية عن الأحزاب السياسية وإعطائها الحرية في النشاط وأيضًا تسهيل اعتماد مختلف منظمات المجتمع المدني، واحترام الحريات الفردية ومكافحة الفساد بمختلف أنواعه. وإذا تحققت هذه المطالب سيكون حراك 22 فبراير قد نجح فيما يُمكن أن نطلق عليه "نقل الجزائر للجمهورية الثانية".
تعليقات
لا يوجد تعليقات