من ذاكرة مصر الدستورية .. دستور 1923

الأحد, 23 ديسمبر 2012 15:12

 

 
لا شك أن صدور دستور 1923 كان خطوة وعلامة صحيحة على طريق الحياة النيابية المصرية وتطورها، كما دل على ذلك انتخاب أول برلمان مصري على أساس حزبي.
دور ثورة 1919 في مولد عهد دستور 1923
كان اعتداء بريطانيا على رمز من رموز الولاء والقومية المصرية وهو سعد زغلول ورفاقه بمثابة الشرارة التي تولدت لتفجر الثورة التي قامت في كل أرجاء مصر احتجاجًا على نفي الزعيم سعد زغلول وعلى رفاقه إسماعيل صدقي وحمد الباسل ومحمد محمود ونفتهم بريطانيا إلى مالطة. ومع سريان النبأ بدأت تثير معه المشاعر القومية بين أفراد الشعب فبدأت الثورة سلميًا بمظاهرات ألّفها طلاب المدارس العليا في القاهرة بإضرابهم عن تلقي الدروس، ثم ساروا يهتفون بحياة مصر والوفد وسعد وسقوط الحماية. وبرغم تعليمات الوفد لهؤلاء الطلبة بعدم الخروج لشوارع القاهرة وإثارة الشعب ولكن سرعان ما تحولت المظاهرات إلى بركان يغلي وامتدت الحمم البركان المتفجّر إلى الأقاليم  واشتركت جماهير الشعب مع الطلبة في المظاهرات وأخذت روح الجماعة تسري بين الناس. وكان طبيعيًا أن تواجه بريطانيا تلك المظاهرات بالشدة مما زاد ثورة المجتمع وأخذت القوى الشعبية الأخرى بداية من يوم 11 مارس 1919 تنضم إلى ركب الثوار، واتجهت الثورة إلى أن تأخذ شكلاً أكثر تنظيمًا وقوة. وفي يوم 12 مارس تجددت المظاهرات قُتل عددًا كبيرًا من طلبة الأزهر برصاص الجنود البريطانيين، كما تجددت المظاهرات في يوم الجمعة 14 مارس وأضرب المحامون الشرعيون وعمال العنابر في يوم 15 مارس وتعطلت المواصلات داخل القاهرة وخارجها. وكانت مظاهرة بولاق ميدانًا لحوادث دموية في يوم 18 مارس حيث اجتمع عمال العنابر والصناع وبعض الشبان في شارع بولاق وصاروا قاصدين الأزهر للانضمام إلى المتظاهرين، فاعترضتهم القوات البريطانية بالقرب من كوبري "أبو العلا" وأطلقت عليهم نيرانًا فسقط كثير من القتلى والجرحى. وتتابعت حوادث الثورة ممتدة من القاهرة إلى الأقاليم في الإسكندرية وبورسعيد ودمنهور وطنطا زفتى والمحلة الكبرى وشبين الكوم والدقهلية ودمياط والقليوبية والزقازيق والوجه القبلي وكانت كلها مسرحًا من الحوادث الدموية أسفكت فيها دماء الأهالي وشهدت ضراوة وعنف في مواجهة الاحتلال وقواته.
وبعد أن جربت السلطة العسكرية كل وسيلة ممكنة لقمع الثوار المصريين، استقالت الوزارة وأذاع اللورد اللنبي بلاغًا أذاع فيه إطلاق سراح سعد زغلول وبقية أعضاء الوفد المصري ويكون لهم حق السفر لهم ولكل المصريين، وبهذا كانت الثورة قد بدأت مرحلة جديدة في سبيل الاستقلال والحرية.
بعد اندلاع ثورة 1919 في مارس بقيادة الزعيم سعد زغلول، والتي كان جوهرها الرئيسي الاستقلال السياسي لمصر وإقامة حياة نيابية ديمقراطية سليمة. اضطرت بريطانيا تحت ضغط أحداث الثورة إلى إصدار تصريح 28 فبراير 1922 مع تحفظات أربعة هي:
- تأمين المواصلات البريطانية.
- الدفاع عن مصر ضد كل اعتداء أجنبي أو تدخل أجنبي بالذات أو بالواسطة.
- حماية المصالح الأجنبية في مصر وحماية الأقليات.
- مسألة السودان.
وصدر التصريح من جانب واحد وبموجبه انتهت الحماية البريطانية على مصر، وأعلن استقلال البلاد استقلالاً شكليًا في 15 مارس 1922. وأصبحت مصر مملكة واتخذ السلطان فؤاد لنفسه ملك مصر، وقد اعتبر الملك فؤاد يوم 15 مارس عيدًا وطنيًا تستريح فيه المصالح الحكومية من العمل.
وبعد تأليف الوزارة على يد عبد الخالق باشا ثروت، ألفت وزارة ثروت باشا لجنة لوضع مشروع الدستور وقانون الانتخاب، ورأس هذه اللجنة حسين باشا رشدي، وقد سُميت بـ"لجنة الثلاثين". وبعد إتمام لجنة الثلاثين عملها رفعت مشروع الدستور إلى ثروت باشا في السبت 21 أكتوبر 1922، وقدمت اللجنة بعد أيام قليلة مشروع قانون الانتخاب المرافق للدستور.
شرعت وزارة الأشغال في إقامة مبنى ليكون مقرًا لاجتماعات مجلس النواب، وتوسيع مبنى الجمعية التشريعية ليكون مقرًا لمجلس الشيوخ. وصدر الأمر الملكي الخاص بدستور 1923 بعد سلسلة من العقبات التي حالت دون صدوره وتعطيله والعمل على تحريفه، إلا أنه صدر أخيرًا في 19 إبريل 1923 طبقًا للمشروع الذي وضعته لجنة الدستور محذوفًا منه النصّان الخاصان بالسودان، والذي رفعه يحيى باشا إبراهيم رئيس الوزراء وقتها إلى الملك مسبوقًا بكتاب نوه فيه للملك بمزايا النظام الدستوري وخلاصة الأدوار التي مرّ بها المشروع.
وطبقًا للدستور الذي أصدره الملك فؤاد الأول سنة 1923 بموجب الأمر الملكي في إبريل سنة 1923 انقسم البرلمان المصري إلى مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وقد تناول الفصل الثالث من الباب الثالث من دستور 1923 البرلمان بمجلسيه الشيوخ والنواب.
 
الجلسة الافتتاحية لبرلمان 1924 وحلف الملك فؤاد اليمين
تواجد الملك فؤاد الأول قاعة البرلمان المصري في الساعة العاشرة صباحًا، وكان يرأس الجلسة أكبر أعضاء مجلس الشيوخ سنًّا وهو المصري السعدي باشا، وبعد وصول الملك إلى الكرسي الملكي أقسم اليمين الدستورية بالصيغة التالية:
"أقسم بالله العظيم أني أحترم الدستور وقوانين الأمة المصرية وأحافظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه".
وبعد تأدية اليمين الدستورية قدّم سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء إلى الملك خطاب العرش، وهو أول خطاب عرش أُلقي طبقًا لدستور سنة 1923م بدأه قائلاً:
حضرات الشيوخ، حضرات النواب
أهديكم أطيب سلامي، وأحيي فيكم ممثلي شعبي الكريم، وأهنئكم منتخبين ومعينين بالثقة العظمى التي حزتموها لتؤلفوا أول برلمان مصري تأسس على المبادئ العصرية، وأحمد الله أن تحققت بتأسيسه أمنية من أعز أماني ورغبة من رغبات أمتي الشريفة.
اليوم تدخل في دور التنفيذ النظامات النيابية التي قررها الدستور ولا ريب في أنها تبشر بإقبال عصر جديد من القوة والسعادة على بلادنا المحبوبة.
لقد وضعت البلاد فيكم ثقة عظمى، وألقت بها عليكم مسئولية كبرى، فأمامكم مهمة من أدق المهمات وأخطرها، إذ يتعلق بها مستقبل البلاد وهي مهمة تحقيق استقلالها التام بمعناه الصحيح، ولا شك أنكم ستعالجونها بروح من الحزم والحكمة والروية، وأنكم ستجدون من أهم مسهلاتها الاتحاد المقدس الذي لا انفصام له بين العرش والأمة. والذي توثقت اليوم عراه بالقسم العظيم الذي أقسمناه، وستؤدونه أنتم عما قليل.............
أهم قرارات برلمان دستور 1923
1.    صدر عن البرلمان الدستوري المصري الأول عدة قرارات، وكان لها أثرها الطيب في ترقية شئون البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومنها:
2.    سحب المبلغ المودع ببنك إنجلترا من الاحتياطي.
3.    إعطاء الحكومة سلفًا لشركات التعاون تنشيطًا وتشجيعًا للحركة التعاونية.
4.    فتح اعتماد بمبلغ 100,000 جنيه من الاحتياطي لإضافته إلى ميزانية وزارة المعارف وتخصيصه لإنشاء 110 مدارس أولية وإدارات مدارس المعلمين والمعلمات الأولية التي تديرها مجالس المديريات.
5.    فتح اعتماد بمبلغ 10,000 جنيه لنشر وتشجيع الفنون الجميلة.
6.    بيع أكبر جزء من أطيان الحكومة لصغار المزارعين.
7.    أن تفضل الحكومة في مشترياتها منتجات الصناعة والزراعة الأهلية وأن تشترط ذلك في مقاولات الأشغال العامة.
8.    إنشاء هيئة محاسبة لمراقبة مصروفات الحكومة (ديوان المحاسبة).
9.    أن تكون الإعانات التي تمنحها الحكومة للجمعيات الخيرية شاملة أيضًا للجمعيات الخيرية المصرية؛ حيث كانت قاصرة فقط على الجمعيات الخيرية الأجنبية.
10.قانون الانتخاب والذي صدّق عليه الملك في 11 أغسطس 1924م والذي أكسب عملية الانتخاب عدة مزايا مثل الانتخاب المباشر والاقتراع العام دون قيد المال أو شهادة علمية، وإلغاء شرط الترشيح للعضو المرشح للنيابة، وترشيح العضو في أي دائرة من دوائر القطر، لأن المرشح إذا فاز أصبح ممثلاً عن الأمة كلها.
اهتمام البرلمان بقضية وحدة وادي النيل
زاد اهتمام أعضاء البرلمان المصري لسنة 1924 بقضية السودان والتي عرفت "بقضية وحدة وادي النيل"  وحق مصر في السودان وأنها جزء لا يتجزأ من الأراضي المصرية، حيث اقترح بعض النواب رفع الحواجز الجمركية، على أن تكون التجارة بينهما كما هي بين الوجه القبلي والبحري داخل القطر. ثم تطرقت دعوة النواب والشيوخ إلى الناحية الثقافية بفتح المدارس، والعمل على قبول الطلبة السودانيين في مصر، وإرسال الطلبة السودانيين في بعثات إلى الخارج كالمصريين تمامًا. فقد آمن نواب مصر وشيوخها بأنه لا غنى لمصر عن السودان وأيضًا لا غنى للسودان عن مصر. ودارت المناقشات الحامية في مجلسي النواب والشيوخ عن أحداث السودان وعلاقات مصر بها وحرصت الأحزاب المصرية على وحدة وادي النيل وخاصة الحزب الوطني الذي دافع عن هذا المبدأ.
حل البرلمان
لم تلبث أن بدأت الحياة النيابية منذ صدور دستور 1923م إلا وتم إنهاؤها في يوم الاثنين 23 من مارس سنة 1925م.
ففي يوم 17 نوفمبر سنة 1924م تأزمت الأوضاع عندما اعتدى خمسة من الشبان على حياة السير لي ستاك سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، بعد خروجه من ديوان وزارة الحربية فتوفي متأثرًا بجراحه، فثارت الحكومة الإنجليزية، وقصد المندوب السامي البريطاني إلى مبنى مجلس رئاسة الوزراء يتقدمه مائتان وخمسون جنديًّا بريطانيًّا من حملة الرماح، وخلفه مثلهم، وقدم إلى سعد زغلول باشا بلاغين محررين باللغة الانجليزية، ومن المطالب التي كانت في الطلب الأول:
1.    أن تقدم الحكومة المصرية اعتذارًا كافيًا وافيًا عن الجناية.
2.    أن تتابع بأعظم النشاط ودون مراعاة للأشخاص، البحث عن الجناة، وأن تنزل بالمجرمين، أيًّا كانوا ومهما يكن سندهم، أشد العقوبات.
3.    أن تمنع من الآن فصاعدا وتقمع بشدة كل مظاهرة شعبية سياسية.
4.    أن تدفع في الحال إلى الحكومة الانجليزية غرامة قدرها نصف مليون جنيه.
ثم أنذرت بريطانيا الحكومة المصرية بأنها إذا لم تلب في الحال وعلى الفور مطالبها، فإن بريطانيا سوف تتخذ التدابير المناسبة لصيانة مصالحها في مصر والسودان...
وفي اليوم التالي قدمت الحكومة المصرية ردها على المذكرتين الإنجليزيتين بقبولها بعض الشروط ورفضها تلبية باقي طلبات الحكومة البريطانية، فقررت الحكومة البريطانية دفع وزارة سعد زغلول للاستقالة، وإصدار التعليمات بإخراج جميع الضباط والوحدات المصرية من السودان. وفي 23 من نوفمبر سنة 1924م رفعت الوزارة استقالتها إلى الملك فؤاد فقبلها في اليوم التالي.
وهكذا أصبح البرلمان يقف بمفرده في مواجهة الحكومة البريطانية وبدأت مخاوف النواب والشيوخ تتزايد من عزم الملك على حل البرلمان، واحتج البرلمان بمجلسيه على تصرفات الحكومة البريطانية الفادحة، كما قرر أن كل تصرف حصل من حكومة استقالت أو من حكومة مقبلة يكون مخالفًا لإرادة المجلس وفيه عبث ومساس بحقوق البلاد، فإنه يكون عملاً فرديًّا لا تتحمل الأمة أية نتيجة تترتب عليه، مادامت الأمة لم تقره ولم تقبله. وتحقق تخوف البرلمان، فما أن أتت وزارة أحمد زيور باشا في 24 من نوفمبر 1924م، لم يمض على تأليفها يوم واحد حتى أصدرت مرسومًا بتأجيل البرلمان لمدة شهر، ثم رفع رئيس الوزراء مذكرة للملك بطلب حل مجلس النواب ودعوة المندوبين الناخبين لإجراء انتخابات جديدة في 24 فبراير، ودعوة المجلس الجديد للانعقاد في 6 مارس سنة 1925، وبالطبع سارع الملك بالموافقة على طلب الوزارة.
 وهكذا بدأت رحلة الصراع بين الملك والبرلمان على مدار ست سنوات حيث تكرر نفس الموقف في عهد وزارة محمد محمود باشا عندما صدر المرسوم الملكي بتأجيل انعقاد البرلمان لمدة شهر ابتداءً من 28 يونية سنة 1928م، وقد تُليَ هذا المرسوم على النواب والشيوخ فأعاد ذلك الموقف الأذهان لما فعلته وزارة زيور من قبل. ولم تكد فترة تأجيل البرلمان تشرف على نهايتها حتى استصدرت الوزارة أمرًا ملكيًّا في 19 يوليو سنة 1928م بحل مجلسي النواب والشيوخ وتأجيل انتخاب أعضاء المجلسين وتأجيل تعيين الأعضاء المعينين في مجلس الشيوخ مدة ثلاث سنوات، وعند انقضاء هذا الأجل يعاد النظر في الحالة لتقرير إجراء الانتخاب والتعيين المذكورين أو تأجيلهما زمنًا آخر، وكان ذلك معناه أن الثلاث سنوات قابلة للتجديد، وبالطبع رحّبت بريطانيا بهذا الانقلاب الدستوري بما يتماشى مع مصالحها.
وقد قوبل هذا التعطيل الدستوري بالسخط والاستنكار في جميع أرجاء البلاد، حيث كان حرمانًا للأمة من حقوقها التي كسبتها بعد رحلة جهاد طويلة. ولكن كان للشيوخ والنواب موقف أكثر شجاعة أعلنوه في اجتماعهم بالنادي السعدي يوم الثلاثاء 24 يوليو سنة 1928م وهو اعتزامهم على أن يجتمعوا بهيئتهم في دار البرلمان يوم السبت 28 يوليو سنة 1928م، وهو اليوم التالي لفترة الشهر التي حددت لتأجيل البرلمان باعتبار أن المرسوم الصادر بحل البرلمان باطل، وكان قرارهم هذا يستتبع دستوريًّا وجوب اجتماع البرلمان المنحل من تلقاء نفسه.
ثم جاء يوم استقالة محمد محمود باشا في 2 أكتوبر سنة 1929م وتأليف الوزارة الجديدة برئاسة عدلي يكن باشا يوم 3 أكتوبر سنة 1929م. وكان من أهم أعمال عدلي باشا إعادة الحياة الدستورية، وإجراء انتخابات عامة خالية من كل ضغط حكومي، فاستصدرت وزارة عدلي باشا أمرًا ملكيًّا في 31 أكتوبر سنة 1929م بإنفاذ أحكام الدستور وإجراء انتخابات لمجلسي النواب والشيوخ. وفي اليوم الثاني من شهر نوفمبر صدر مرسوم آخر بتحديد يوم 21 ديسمبر سنة 1929م للانتخاب ويوم 29 من نفس الشهر للإعادة في حالة عدم حصول المرشح على الأغلبية في اليوم الأول، وبدعوة البرلمان إلى الاجتماع يوم السبت 11 يناير سنة 1930. وفي هذا اليوم (2 نوفمبر سنة 1929) فضّت الأختام الموضوعة على أبواب البرلمان منذ شهر يوليو سنة 1928م وسلمت مفاتيحه إلى سكرتير مجلس الشيوخ.
وافتتح البرلمان يوم 11 يناير سنة 1930م، وكان البرلمان الرابع منذ بداية النظام الدستوري سنة 1924، وقد قدم عدلي باشا استقالته في أول يناير وبنى استقالته على أن مهمته وهي إعادة الحياة الدستورية قد انتهت، وقد عهد الملك بعدها إلى مصطفى النحاس باشا يوم 1 يناير سنة 1930م بتأليف الوزارة باعتباره زعيم الأغلبية التي أسفرت عنها الانتخابات، أما عدلي يكن باشا فعُين رئيسًا لمجلس الشيوخ وصدر المرسوم بذلك يوم 3 يناير سنة 1930م.
يوم تحطيم السلاسل
بعد سلسلة من المشادات بين وزارة النحاس باشا والقصر، انتهت بأن قدّم مصطفى النحاس باشا استقالته يوم 17 يونيه سنة 1930م فقبلها الملك يوم 19 من نفس الشهر، وأسند رئاسة الوزارة الجديدة إلى إسماعيل صدقي وصدر المرسوم الملكي بتأليفها يوم 20 يونية سنة 1930م وكان إسماعيل صدقي يعتبر خصم الدستور الألدّ، فكانت نية الوزارة مبيته لإلغاء الدستور؛ فبدأت عملها بتأجيل انعقاد البرلمان شهرًا ابتداءً من 21 يونية سنة 1930م.
 وقد أصر النواب والشيوخ أن يجتمعوا في البرلمان يوم 23 يونية، واتفق عدلي باشا رئيس مجلس الشيوخ والأستاذ ويصا واصف رئيس مجلس النواب على أن مرسوم التأجيل يجب أن يُتلى على الشيوخ والنواب في المجلسين. ولكن الوزارة اعترضت على ذلك بأن مرسوم 21 يونية يجب أن ينفذ من ذلك اليوم، ولكن مع طلب كل من عدلي باشا وويصا واصف بضرورة تلاوة المرسوم على الأعضاء، اشترط إسماعيل صدقي أن يأخذ عهدًا بأن لا يتكلم أي عضو من أعضاء مجلس النواب أو الشيوخ بعد تلاوة المرسوم وهو الشرط الذي قوبل بالرفض، وبالفعل أغلقت الحكومة أبواب البرلمان، ووضعت حوله قواتها المسلحة، وربطت الباب الخارجي للبرلمان بالسلاسل الحديدية، ورغم ذلك حضر النوَّاب والشيوخ، وكلف الأستاذ ويصا واصف بوليس البرلمان بتحطيم السلاسل، وسُمي هذا اليوم بـ"يوم تحطيم السلال" واجتمع أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ بدورهم في مجلسهم، وتُلي عليهم المرسوم وأقسموا اليمين بالمحافظة على الدستور، وأصدر مجلس الشيوخ قرارًا اقترح نصه فتح الله باشا بركات الآتي:
1.    الاحتجاج على ما ارتكبته الحكومة من مخالفة للدستور بأن أغلقت أبواب البرلمان ووضعت قواتها المسلحة حوله وفي داخله لتمنع بالقوة المسلحة شيوخ الأمة ونوابها من عقد جلستي المجلس.
2.    استنكار ما أقدمت عليه الوزارة من المخالفات الدستورية الأخرى من وقت تشكيلها.
3.    ولقد أرسل عدلي باشا يكن رئيس مجلس الشيوخ إلى إسماعيل صدقي باشا بتاريخ 24 يونية سنة 1930 كتاب احتجاج على إغلاق الحكومة أبواب البرلمان.
مؤتمر النواب والشيوخ في النادي السعدي
اجتمع مؤتمر من النواب والشيوخ وأعضاء مجالس المديريات في النادي السعدي يوم الخميس 26 يونية سنة 1930م ردًّا على رفض الحكومة لدعوة البرلمان لجلسة غير عادية، وكان المؤتمر مؤلفًا من الوفديين وبعض نواب الحزب الوطني، وبعد أن ألقى مصطفى النحاس باشا خطبته عما حدث من تكرار الاعتداء على الدستور، قرر المؤتمر الآتي:
أولاً: الدفاع عن الدستور ومقاومة كل اعتداء يقع عليه بكل ما يملكه كل مصري من قوة ومال وتضحية.
ثانيًا: تقرير مبدأ عدم التعاون وتشكيل لجنة تتصل بالوفد لتنظيم أساليبه وتنفيذها في حالة ما إذا لم تتقدم الوزارة إلى البرلمان عند انقضاء مدة التأجيل.
ثالثًا: القسم بالله العظيم بتنفيذ هذه الخطة وتعميمها في جميع الدوائر الانتخابية بالقطر المصري.
وبالفعل أثبت الشعب المصري فعاليته بمقاومته لحكومة صدقي باشا والدفاع عن الدستور والبرلمان، واعتزم صدقي مقابلة هذه المقاومة بالقوة والبوليس والجيش مما أدى إلى كثرة الحوادث الدموية في عهده. وقد تعمدت الوزارة عدم مواجهة البرلمان فاستصدرت مرسومًا ملكيًّا يوم 12 يوليو سنة 1930 بفض الدورة البرلمانية. وقد احتج أعضاء البرلمان على هذا الفض، لوقوعه مخالفًا للدستور حيث إن البرلمان لم يكن قد أقر الميزانية بعد، ولكن الحكومة احتلت مبنى البرلمان بقواتها يوم 21 يوليو سنة 1930م لتحكم قبضتها على الأمور.
اجتماع أعضاء البرلمان في النادي السعدي
 اجتمع معظم أعضاء البرلمان في النادي السعدي يوم 26 يوليو سنة 1930م ردًّا على رفض الحكومة لدعوة البرلمان لجلسة غير عادية، وقد اختار أعضاء البرلمان النادي السعدي بسبب احتلال الحكومة دار البرلمان بقواتها المسلحة.
فاجتمع مجلس النواب برئاسة عبد السلام جمعة بك وكيل المجلس نظرًا لوجود ويصا واصف بأوروبا، وتولَّى السكرتارية عبد الرحمن عزام باشا والأستاذ أحمد عبد اللطيف مرزوق، وقرر المجلس عدم الثقة بالوزارة.
دستور 1930 وتهميش السلطة التشريعية
بدأ إسماعيل صدقي استكمال اعتداءاته على البرلمان ودستور 1923، وقد انتهز فرصة ابتداء فترة العطلة البرلمانية وقام بإعداد دستور  وقانون انتخاب جديدين، وأخبر القائم بأعمال المندوب السامي البريطاني بذلك والذي أخبر بدوره وزير خارجيته السير "هندرسون" والذي كان متخوفًا من أن يسبب ذلك التغيير الدستوري اضطرابات كبيرة في البلاد ولكن إسماعيل صدقي أكّد له بأنه قادر على السيطرة على الأمور بسهولة، وأنه سيستخدم القوة عند الضرورة. وقد أكّد وزير خارجية بريطانيا أن بلاده لن تدخل أو تعقّب على هذا التغيير سواء من قريب أو من بعيد؛ وكان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لإسماعيل صدقي باستصدار الدستور  وقانون الانتخاب الجديدين.
وجاء الأمر الملكي في 22 أكتوبر سنة 1930م بإلغاء دستور 1923 وبحل مجلسي النواب والشيوخ، وإعلان دستور جديد هو دستور 1930 وكانت تلك هي الخطوة الأخيرة في مسلسل الانقلابات ضد دستور 1923.
جاء دستور 1930 مقويًا للسلطة التنفيذية في جميع الأمور وذلك من خلال إضعافه لسلطة البرلمان بشكل يؤدي إلى سيطرة الملك على مقاليد الأمور. وقد اتضح ذلك من خلال إنقاص مدة دور الانعقاد البرلماني إلى خمسة شهور بدلاً من ستة شهور، وحرمان البرلمان من حق اقتراح القوانين المالية، وإجازته للملك بإطالة مدة تعطيل البرلمان إلى سبعة شهور، فضلاً عن تقييد سلطة البرلمان في سحب الثقة من الوزارة؛ كانت تلك هي أبرز معالم دستور 1930م من حرص على تقوية الهيئة التنفيذية على حساب الهيئة التشريعية بمجلسيها الشيوخ والنواب.
وصدر الأمر الملكي في 22 أكتوبر سنة 1930م؛ حيث أقر بإلغاء دستور 1923 وبحل مجلسي النواب والشيوخ، وإعلان دستور جديد هو دستور 1930.
كتاب الجبهة الوطنية وعودة دستور 1923
بعد إدراك الأحزاب المصرية ضرورة الوحدة من أجل مواجهة الضغوط البريطانية وكل مساعي القضاء على الحياة الدستورية المصرية، تألفت الجبهة الوطنية في ديسمبر سنة 1935م من حزب الوفد المصري والحزب الوطني وحزب الأحرار الدستوريين وحزب الشعب وحزب الاتحاد، وهي كل الأحزاب القائمة في ذلك الوقت، ووافقت تلك الأحزاب على وضع كتاب الجبهة الوطنية لرفعه باسم الجبهة للملك بإعادة دستور 1923. وقد رفعت الجبهة الوطنية كتابها إلى الملك في يوم 12 ديسمبر سنة 1935م، حيث استجاب تحت الضغوط الشعبية في ذات اليوم إلى طلب الجبهة الوطنية، وأصدر يوم 12 ديسمبر سنة 1935 أمرًا ملكيًّا بأن النظام الدستوري للمملكة المصرية هو النظام الذي تقرر بالأمر رقم 42 لسنة 1923م، أي عودة دستور 1923.
تعليقات
لا يوجد تعليقات