هشام المغربى

على مقهى الثورة

 
على مقهى شكرى بميدان سيدى جابر بالإسكندرية قضيت ليلة عزل مرسى كانت هذه الليلة هى الثالثة لى على التوالى على هذا المقهى بميدان الثورة.
المقهى قديم أسس عام 1927 يطل على ميدان محطة سيدى جابر من جهة وعلى شارع أبى قير من جهة أخرى كانت الساعة الثالثة بعد الظهر لم أجد مقعدا واحدا شاغرا، اعتلت الجماهير كل الطاولات وجلسوا فوقها كان الفوز بمقعد أو طاولة خالية يعد نصرا كبيرا،  والبعض كان يقتسم الطاولة مع زميل له فهى تسع لشخصين عدد الواقفين أمام الشاشات أضعاف الجلوس من الجماهير الغفيرة التى عج بها المكان من كل طوائف المجتمع من الشباب والشيوخ من الرجال والنساء على السواء جنبا إلى جنب ساوت الثورة بين الجميع الفقير المعدم الذى يكاد لا يجد قوت يومه وبين الثرى الموسر الذى من الله عليه بالثراء الواسع يفترشون الأرض معا وتخالجهم نفس الآمال والأحلام فى غد أكثر إشراقا على أرض المحروسة اختلطت روائح دخان الشيشة والسجائر بالمشروبات الساخنة من الشاى والقهوة والكاكاو والحلبة والكركديه  والعصائر والمثلجات علق الجميع على صدورهم لافتات حمراء كتب عليها ارحل ويحمل فى يده صافرة ينفخ بها كل حين فى جماعية غير متفق عليها استجابة لمبادرة أحدهم وبجوار كل منا علم مصر يحمله فى يده أو يضعه أمامه فى حرص تام.
على الرصيف أمام المقهى افترشت النساء الأرض كانت الإبتسامة على الوجوه والأمل يحدو الجميع فى انتظار بيان وزير الدفاع بعد انقضاء المهلة التى منحها لرئيس الجمهورية ليعلن بعدها عزله نهائيا عن إدارة شؤون البلاد  نزولا على رغبة الشعب الذى خرج بالملايين فى كافة ارجاء مصر فى صورة لم تحدث من قبل , بل وفقا لبعض التقارير الدولية ربما لم تخرج تلك الحشود فى دولةأخرى  فى التاريخ بهذا العدد الهائل الذى قدر بأكثر من ثلاثين مليونا من البشر تهتف بحماس ارحل ...ارحل... يسقط يسقط حكم المرشد
نداءات النادل على مشروبات رواد المقهى تكاد لا تسمع من كثرة الأصوات المتداخلة بالمكان بين صوت التلفاز  وصا فرات الجمهور التى لا تنقطع وحديث الآخرين الذى لم يكن حديثا بل كان صريخا  حتى يسمع كل منا الآخر ونداءات بعض الباعة خارج المقهى .
صرخت الجماهير مهللة ورافعة رأسها إلى السماء مشيرة إلى طائرة للجيش تجوب المكان لرصد الأعداد الغفيرة من الجماهير الرافضة لحكم الإخوان هتف الجميع هتاف الأيام الأولى لثورة يناير - الجيش والشعب إيد واحدة –
وبيينما كانت الحشود تتزايد مع اقتراب ساعة الحسم خرقت سيارة شرطة الحشود الكثيفة وقامت بتوزيع زجاجات باردة من الماء للواقفين فى العراء تحت الشمس الحارقة وسط تصفيق حاد من الجماهير -الشعب والشرطة ايد واحدة –
علق البعض هذه مصالحة من الشرطة للشعب بعد ماحدث فى ثورة يناير
الشرطة رجعت للشعب يا جماعة خلاص الشعب كله مع بعض ضد ال.....
كانت الأكف تتضرع الى السماء فى دعاء جماعى واحد ... يا رب ... يا رب
مع قدوم آذان المغرب لم يعد فى الشارع أمام المقهى موضع لقدم قام البعض الى الصلاة ومنهم من لم يترك مقعده وادى الصلاة وهو جالس بينما انهمك آخرون فى تتبع أخبار جديدة تبثها المواقع الإخبارية على أجهزة الهواتف المحمولة صرخ احدهم قبضوا على بديع على حدود مرسى مطروح وإذا بهدير جماعى هز جدران المكان الله أكبر.. الله أكبر.. تحيا مصر
بينما صرح آخر هذا هو رأس الأفعى.. قاطعه أحدهم الشاطر هو تلك الرأس أين الشاطر؟ يمكن هربان..
علا تصفيق حاد خارج المقهى كانت سيارة كبيرة نصف نقل تقل أفواجا جديدة من الجماهير التى قدمت الى الميدان بآلات موسيقية وسماعات كبيرة وبدأوا فى إلهاب حماس الجماهير الغفيرة بالغناء الوطنى الذى يثير فى النفس الشجون أحلف بسماها وبترابها.. يا أغلى أسم فى الوجود يا مصر .... وأنا على الربابة باغنى ... وغيرها
اعتلى الشاشات شريطا إخباريا يعلن عن تأجيل إذاعة بيان قيادة الجيش إلى التاسعة مساء..   تعالت الأصوات والهمهمات ياه.. يلا بقه زهقنا ويصرخ أحدهم ارحل يا مرسى.. ارحل مش عايزينك  ... ولا إخوان ولا ترتان مصر رافضة كل جبان
-         فى ضغوط كبيرة قوى على السيسى ياجماعة الراجل معذور
-         الأخوان بيههدوا حيحرقوا البلد لو مرسى رحل
-         دول ولاد ...... طيب لو رجالة بجد يورونا نفسهم دول جبناء
-         دول مش لوحدهم بيقولك حماس حتدخل معاهم تولع البلد
-         لأ المرة دى بقى لأ الشرطة رجعت للشعب تانى والجيش لن يسمح لهم
-         الشعب فاق خلاص
يصرخ أحدهم نبأ عاجل القبض على البلتاجى والكتاتنى والعريان
تتعالى مجددا الأصوات ... الله الله الله عليكى يا مصر كده خلصت والله ياجماعة خلاص النصر قرب الغمة حتزول ان شاء الله
هسسسسسسسسسسسسسس الانتقال إلى إذاعة خارجية البيان يا جماعة 
يصمت الجميع ويتزاحم المئات أمام شاشة التلفاز فى لهفة وترقب
وعند قول السيد وزير الدفاع : يعين السيد المستشار رئيس المحكمة الدستورية العليا رئيسا مؤقتا للبلاد لفترة إنتقالية حتى الإنتخابات الرئاسية المبكرة .....
لم اسمع شيئا بعدها صرخات هستيرية من الفرحة والسعادة  انطلقت الألعاب النارية فى الهواء وزغاريد النساء تتبارى كل منهن فى إطالتها قدر ما يمكن والأحضان والقبلات بين الرواد وسجدات الشكر لله على أرض الشارع .
كان الإعياء قد بلغ منى مبلغا... اخذت طريقى مغادرا اتمتم الحمد لله كانت نسمات الهواء الباردة تلامس وجهى الرطب المتعب ,وقلبى يخفق فرحا وأنا أرى السعادة على وجوه المارة فى الشوارع  كانت أفواج البشر على مدى الشوف لم اقوى على السيربين تلك الأفواج البشرية الهائلة , سلكت الشوارع الجانبية الضيقة والحارات الصغيرة , وصوت الزغاريد آتيا من نوافذ  البيوت فى معزوفة رائعة كنت شاهدا عليها ......

تعليقات
  • دجى نشار
    الثلاثاء, 09 يوليو 2013

    عظيمة يا مصر

    الحقيقة المقال لسان حال المصريين جميعا فى هذا اليوم وهو لا يعبر فقط عن من كان بالمقهى ولكن كانت مصر كلها فى هذا المقال - كل كلمة كانت تصويرا صادقا عن كل الشعب المصرى فى كل بيت وشارع وحارة وقرية - عظيمة يا مصر