د. أحمد صبرة

ثورة في الجامعات المصرية

"كأني قادم من جامعة في العصور الوسطى". جملة قالها لي الأستاذ الأمريكي بجامعة جورج تاون حين سألته عن أحوال جامعة القاهرة. الرجل عضو في لجنة الجودة الأمريكية، وكان يزور جامعة الملك سعود حيث كنت أعمل تمهيدا لمنحها الاعتماد الأكاديمي الدولي. الجملة صادمة، وتتضاعف صدمتها حين تأتي من رجل يكن عشقا حقيقيا لمصر، وهو في الوقت نفسه أحد المسؤولين الدوليين عن الجودة والاعتماد في كثير من جامعات العالم.
هل يمكن أن نبني على رأي فرد -أيا كان- موقفا جوهريا مبدئيا مما يحدث في الجامعات المصرية؟ بمعنى هل نعد هذا الرأي مقولة مسلماً بها، ومن ثم نحاول أن نرى مواضع الخلل لدينا لنتفاداها؟ أم نتجاوزه كأن رأياً لم يقل؟ لكن، هل هو رأي فرد أو رأي كثيرين ممن أتيح لهم أن يروا جامعات أخرى: يتعلموا فيها أو يحاضروا؟
لنتجاوز الآن الموقف من هذا الرأي، ولنحاول أن نضع معياراً أو معايير نقيس بها جودة التعليم في الجامعات المصرية. هل يصلح الإنفاق على التعليم معياراً؟ أم يصلح معيار نوعية المنتج النهائي للتعليم الجامعي، وهو هنا: الطالب خريج الجامعة المصرية، والبحوث التي ينتجها أعضاء هيئة التدريس؟ أو ربما تصلح  القوانين واللوائح التي تنظم شؤون الجامعات في مصر معياراً؟ أم هي الفلسفة التي تهيمن على كل العملية التعليمية الجامعية؟ لا يكفي هنا أن تدلي بانطباعات عامة عن سوء الأحوال في الجامعات، أو أن تقول إن جامعة القاهرة مثلا تشبه جامعات العصور الوسطى. هذا ليس توصيفاً علمياً للمشكلة، وأية حلول مقترحة قائمة على مثل هذه الانطباعات تفاقم من المشكلة، وتؤجل مواجهتها إلى أمد غير معلوم.
وجد مرسي –هكذا دون كلمة رئيس، فأنا لم أعترف به رئيساً لمصر أبداً- أن الحل في زيادة مرتبات أعضاء هيئة التدريس، فزادها. لكن هل تغير الوضع؟ ربما ازداد سوءاً. ووجد آخرون أن تعديل بند في اللائحة المنظمة لعمل الجامعات، أو إنشاء هيئات تراقب العملية التعليمية، أو التغيير في الخطط الدراسية أو.. أو..ربما تكون حلاً، وفعلوا هذا، فهل أصبحنا في المقدمة؟
مثلا تكشف المقارنة بين عدد الطلاب في جامعة القاهرة وعددهم في جامعة الملك سعود عن أمر مؤلم. عدد الطلاب في جامعة القاهرة يتجاوز 250 ألف طالب، بينما عددهم في الملك سعود حوالي 66 ألف طالب فقط. كيف يمكن لجامعة واحدة أن تحتوي على مثل هذا العدد في جامعة القاهرة؟
لا أعرف ميزانية جامعة القاهرة، لكن ميزانية جامعة الإسكندرية لا تتجاوز مليار جنيه في السنة، بينما هي في جامعة الملك سعود ما يعادل 17 مليار جنيه. ميزانية البحث العلمي في كلية الآداب جامعة الإسكندرية كانت من عشر سنوات حوالي ألفين جنيه، ربما وصلت الآن إلى عشرين ألف، أما في كلية الآداب -جامعة الملك سعود فحوالي 500 مليون جنيه.
عدد الجامعات المصرية 50 جامعة ما بين حكومية وخاصة، وهذا هو العدد نفسه في المملكة العربية السعودية، لكن عدد السكان في المملكة من السعوديين حوالي عشرين مليون، بينما عددنا نحن في مصر يقترب من تسعين مليون. ويصل عدد الجامعات في أمريكا إلى أكثر من أربعة آلاف جامعة. هل تكشف هذه الأرقام الأولية عن شيء؟ هل تعطينا مدخلاً أوليا للنظر في مشكلة التعليم الجامعي؟ لكن الأهم هل نحتاج نحن إلى مثل هذه الأرقام لنستوثق من أن تعليمنا الجامعي في أزمة كبيرة؟ أليس ما نراه حولنا من تدن واضح في مستوى خريجي الجامعات المصرية كافياً للشعور بالمشكلة؟
كم عدد المقالات والدراسات والكتب التي كتبت في كشف التدهور في أحوال الجامعات المصرية، وكشف جوانب الفساد فيها، مئات وربما آلاف، وكُتب هذا من عشرات السنين، ومازال يكتب حتى الآن، مع ذلك لم يتوقف التدهور، ولا امتنع الفساد، وفي كل يوم يبتكر الفاسدون طرقاً عجيبة لتكريس ما يفعلون، وللإفلات من العقاب، وهو عقاب لا يطول منهم إلا الأغبياء. فإلى متى تتحمل مصر كل هذا؟
بداية، لا بد من التأكيد علي أن المطروح في مسألة التعليم الجامعي في كثير من الكتابات حلول تقليدية لمشكلة غير تقليدية: إصلاح منظومة التعليم. لم يسأل أحد ممن يطرحون فكرة الإصلاح سؤالاً بسيطاً ساذجاً: من الذي سيقوم بعملية الإصلاح؟ ربما وقر في أذهانهم أن من سيقوم بعملية الإصلاح هم القائمون على أمر التعليم الآن. هل هناك آخرون سيفعلون هذا؟ لكن هذا يستدعي منا أيضاً سؤالاً ساذجاً: هل يمكن لأناس هم جزء من المشكلة، وربما أحد الأسباب فيها، أن يكونوا أيضا مسؤولين عن حلها. هل يمكن أن نأتمن هؤلاء على حل مشكلة التعليم والبحث العلمي، وهم أنفسهم لم يكونوا أمناء فيما ائتمنوا عليه سابقاً.
تحتاج الجامعات إلى حلول غير تقليدية. وظني أن هذه الحلول تبدأ بنسف منظومة التعليم الجامعي القائمة كلها. لا أحب استخدام العبارات النارية، ولا الألفاظ الحماسية، ولا الشعارات الخلابة، لكني لا أجد حلاً آخر لمشكلة التعليم الجامعي غير النسف. بعض من يقرأ هذا المقال سيسئ الظن بكاتبه، وربما بعقله. وسيطرح أسئلة منطقية حول فكرة النسف المقترحة هنا: من سيفعل هذا؟ وما المقصود بالنسف؟ وهل سيكف الطلبة عن تلقي التعليم في الجامعات انتظاراً للمجهول؟ وما الكيان الغامض المبهم الذي تريده بديلاً لما هو قائم؟ وكيف سينُجز؟ وما مدته الزمنية؟ وأسئلة أخرى كثيرة مشروعة ومبررة.
لكن لنقم بتوصيف المشكلة توصيفاً حقيقياً –على الأقل من الزاوية التي أنظر إليها- ثم لنسأل أنفسنا: هل هذا التوصيف منطقي ويعكس واقع الأحوال في الجامعات؟ ثم وهذا هو الأهم: هل نحتاج بعد هذا التوصيف إلى إصلاح للمشكلة الجامعية من داخلها، أم إصلاح لها من خارجها، أي نسف هذه المنظومة التي آلت بالبحث العلمي والطلاب إلى ما نراه؟ ثم بعد ذلك ما البديل الذي يمكن اقتراحه في هذا الصدد.
ولنتفق بدءاً على أن مكونات الجامعة –أي جامعة هي: أستاذ وطالب ومنهج بينهما، ومبنى، ومنظومة لوائح تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع الجامعي، ومصادر تمويل تؤمن الاستمرارية والجودة للمؤسسة الجامعية. وكل هذا يحتاج إلى فهم من زاوية مختلفة، ولنبدأ بالأستاذا الجامعي، هو العنصر الأهم في كل هذا، وعليه مدار العملية التعليمية كلها تدريساً وبحثاً. لنحاول أن نفهم كيف يتكون الأستاذ الجامعي في الجامعات المصرية، وهل يصلح مثل هذا التكوين لأن نأتمنه على حل المشكلة. وهذا هو موضوع المقال القادم إن شاء الله.

تعليقات
  • Youssef Youssef, MD
    الثلاثاء, 01 أكتوبر 2013

    التعليم إصلاحات ليس صعب ولكن يحتاج ارادة في التغيير ومقاومة منتفعي الوضع القائم

    رائع يا دكتور صابرة كالعادة . تذكرني بمقولة لمحمود عبد العزيز في لقاء مميز جداً مع عمرو أديب يقول يمكنك البحث عنه في اليوتيوب حيث يقول ع البلد دي حلها قنبلة تجيب عاليها واطيها و نبنيها من جديد . التعليم إصلاحات ليس صعب ولكن يحتاج ارادة في التغيير ومقاومة منتفعي الوضع القائم وهو ما لم يتوفر لدينا حتى في أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة عظيمة. الرئيس الذي اعترفت أنا به رئيساً لأنه نتاج إنتخاب الشعب وإلا صرنا في غابة يفعل كل منا ما يراه . لا أعتقد أني أعرف من إنتقد فخامة السيد الرئيس مرسي أكثر مني و بدأ ذلك النقد بعد أول خطاب له إنتهى دون الافراج عن معتقلي الثورة .كما أني استخدمت في وصفه أبشع الألفاظ وفي إحدى مقالي كان عنوانها " الرئيس العرص " رداً على إغتصاب 20 مصرية في ميدان التحرير دون أن نرى المغتصبين على أعواد المشانق . لكن لا رجولة أبداً أن ننقد فخامة السيد الرئيس محمد مرسي الآن وهؤلاء السفاحين في الحكم نهرب بخوفنا من نقدهم إلى نقد مرسي و الاخوان . التعليق السابق وصل للسيد الرئيس محمد مرسي و لكن ناديت إن ناديت حياً . النظر إلى ما يحدث في مصر الآن يقول اننا سنعود إلى الوراء قروناً وليس لأمثالك أي دور في مصر في العصر القادم ، إنه عصر النفاق والطبل والزمر ، عصر بانجو و برايز . عد بالتاريخ إلى عصر سفاح مصر و أكبر فاشل مهزوم في تاريخها تعرف أن التاريخ يعيد نفسه . لقد كان وزير التعليم والبحث العلمي أيامها عسكري فماذا تنتظر .


  • Youssef Youssef, MD
    الثلاثاء, 01 أكتوبر 2013

    هذه خطة قصيرة الأجل وتأثيرها فوري وسيحدث نقله نوعيه في التعليم دون إنفاق مليم واحد .

    لا يوجد معنى للإهتمام بالبحث العلمي وخريجي الكليات المصريه غير مؤهلين للالتحاق بهذه المراكز . ستجد هذه القرارات حرباً شعواء من أساتذة الجامعات المنتفعين بهذا الوضع لذلك تحتاج لشجاعه وإرادة وحشد وتعبئه وراء متخذ القرار . 1- إصدار قرار بعدم عمل جميع أعضاء هيئة التدريس بالجامعات خارج أسوار الجامعه . لقد صارت الجامعات جراج لسيارات الساده الأساتذه ولم يعد لهم أي إنتماء للطلبه أو العمليه التعليميه لأن دخولهم من العمل الخاص أضعاف دخولهم من التعليم كما أنهم يستخدمون الجامعه في ترويج عملهم الخاص ولم يعد عندهم أي وقت للبحث العلمي أو حتى التعليم الجيد وتحديث معلوماتهم بل من النادر تواجدهم و لو بشكل سوري خلال ساعات العمل بين أسوار الجامعه . من لا يعجبه هذا القرار يمكنه أن يستقيل فوراً و تبقى الجامعات لمن يعشق التدريس . 2- يتم تقييم هيئة التدريس كل عام بواسطة رؤساء الأقسام بناء على معطيات محدده وحصيله منتظره من الأبحاث والانجازات العلميه ومستوى الطلبه وتقييم سنوي سري من الطلبه لاعضاء هيئة التدريس و من يثبت تقصيره يتم عزله فوراً . أي أن العمل الجامعي لا يجب أن يكون وظيفه ميري يبقى بها صاحبها عمره كله دون النظر إلى انجازاته . 3- يتم الاعلان عن وظائف في هيئة التدريس كل عام ويفتح الباب لعلماء مصر في الخارج والداخل وتقارن سيرتهم الذاتية وانجازاتهم بالسيره الذاتيه للعاملين بهيئة التدريس ويجوز أن يتم تعيين الأفضل على حساب الأقل كفاءة . المنافسه في الجامعات يجب أن تكون في منتهى القسوه . ويتم التقييم بواسطة رؤساء الأقسام والعمداء ورئيس الجامعه حتى نتجنب الدوافع الشخصيه . الباب في جميع الكليات يكون مفتوح لجميع وليس حكراً على خريج نفس الكليه والكفأه هي المعيار في التعيين . 4- يتم رفع رواتب هيئة التدريس عدة مرات حتى تصير مناسبه لامكانيات هؤلاء العلماء وحتى لا يهرب الأكفاء و ستأتي الزياده من تقديم استشارات مهنيه ( أنظر 5 ) . 5- يتم ربط الجامعات بسوق العمل وتقديم استشارات بواسطة هيئة التدريس للقطاع الخاص بإسم الجامعه وتذهب ايرادات هذه الاستشارات إلى الجامعه مباشرة ويتم استخدمها في تغطية الرواتب التي يجب أن ترتفع . مثال لذلك أن ترسل الجامعه اساتذة الطب لاستشارات خاصه ببعض المستشفيات وبصحبة بعض الطلبه أو المدرسين أو ترسل كلية التجاره استشاره في المحاسبه لشركه ترغب في هذه الخدمه . 6- يتم عمل شراكة بين كبرى الشركات والجامعات لتدريب الطلبه في تلك الشركات وهذا التعليم الميداني سيكون مفيد للطرفين ولا تقتصر العمليه التعليميه على المدرجات بل ويمكن أن تسهم بعض الشركات في النواحي الماديه للحصول على عماله مدربه . ويجوز إنشاء وحده جامعيه داخل الشركات والمستشفيات الكبرى تتلقى الطلبه بشكل مستمر للتدريب والتعليم . 7- مناصب رؤساء الجامعات والعمداء يجب أن تكون بالانتخاب ولكن رؤساء الأقسام تكون مناصبهم بالتعيين . حيث أن الانتخاب لا يضمن أن نأتي بالأكثر كفاءة ولكن إختياره من قبل انسان منتخب يضمن أنه الأصلح لادارة العمليه التعليميه 8- إلغاء جميع أنواع التقييم الشخصي من إمتحانات عمليه وشفويه لانها الباب الخلفي للكوسة والظلم وقتل الانتماء عند الطلاب . يطبق بدل منها نظم الكمبيوتر المتفاعل والاسئله متعددة الاجابات. 9- إلغاء الرساله من درجتي الماجستير و الدكتورة في الجامعات العمليه . كفي تهريج وتضييع وقت في نقل أبحاث الغير من الانترنت . لا يوجد شيء إسمه إكتشف لي شيء ما في هذه الفتره الزمنيه . هذه الرسائل هي أبحاث يجب أن يقوم بها من يرغب وليست اجباريه على من يريد تحسين مستواه العلمي هذا إلى جانب أنها وسيلة الأساتذه لاستعباد المدرسين المساعدين والمدرسين . كما أن الأبحاث في هذا العصر هي مجهود جماعي ولا يمكن أن يكون هناك بحث قيم بمجهود فردي لذا فن الأبحاث تعبر عن القسم وليس عن أفراد بذاتهم وطبعاً لا مانع أن يتميز انسان ما ويأتي بالفكره ويقود ذلك الفريق وينسب له مع آخرين البحث . 10 - أوئل الدفعات يجب تعيينهم حتى يحصلوا على درجة الماجستير بعد ذلك يعتمد استمرارهم في الكليه على أدائهم في تعليم الطلبه و مساهمتهم في البحث العلمي بالقسم حسب المعايير المطروحه أعلاه . 11- العمل على التخلص من الجامعات الضخمه وتفتيت هذه الجامعات إلى جامعات متوسطه الحجم فلا يعقل أن يكون في المدرج الواحد 500 أو 1000 طالب . 12 - عمل إمتحان إجازة العمل ( ترخيص مزاولة المهنه ) موحد على مستوى الجمهوريه . بمعنى ، كيف أضمن أن الجامعات الخاصه اعدت طبيب استطيع أن اسمح له بمزاولة المهنه في الوقت الذي تمتحنه هذه الكليات بنفسها ولها مصلحه اكيده في مساعدته على النجاح أي أنه هناك تعارض في المصالح فنفس الجهة الممتحنه ترغب في تمرير الطالب . لذلك لا مانع أن يحصل هذا الطالب على شهادته الجامعيه لكنه لابد من أن يجتاز إختبار وطني على مستوى الجمهوريه يتم تقديمه مرتين في العام لجميع خريجي الدوله سواء جامعات خاصة أو أهليه أو حكوميه ليكون كاشف للجامعات الضعيفه وبدون إجتيازه لا يسمح له بممارسة المهنة .. معرفة الجامعات بوجود مثل هذا الاختبار ستجعلها أكثر جديه في العمليه التعليميه وإلا ستفقد سمعتها . أي أن الخريج الجامعي لا يعمل بشهادته إلا بعد إجتياز ذلك الإختبار . 13- في مصر يتم حشد جميع المتفوقين في كليتي الطب والهندسه والنتيجه اننا لا نرى قانونيين أو اقتصاديين عظام بشكل كافي . السبب أنه لا توجد استشارات محترفه في المدارس الثانوية تسمع وتنصح وتضع الحقائق بين يد الطالب وتساعده على ألإختيار لمستقبله . لذلك نصح بتدريب بعض الأخصائيين الإجتماعيين على تقديم هذه الاستشارات ومدهم بمعلومات مستمره عن سوق العمل