أحمد عبد الفتاح

الإسكندرية عام 1952

 قيل لي أنه يوجد بخزائن مصر عام 1952 عقب رحيل فاروق ما يزيد عن 555 طن من الذهب، وكانت قيمة الجنيه المصري جنيها ذهبيا إنجليزيا وبضعة سنتات.
وقرأت عام 2009 حديثا لكاتب مصري كبير أن الجنيه الواحد في تلك الفترة كان يشتري 200 رغيف أو 300 بيضة أو 5 كيلو جرام لحمة أو 60 زجاجة لبن أو 50 سلطانية زبادي أو قدرة فول (من حجم القدور الضخمة النحاسية التي كنا نشاهدها زمان صغارا).
وكان تعداد الإسكندرية في هذا الزمن حوالي 800,000 مواطن، وكانت أسواق المدينة وحوانيتها بالمنشية، ومحطة الرمل، وكامب شيزار والإبراهيمية والحضرة حاملة بأشهى أنواع الخضر واللحوم والأسماك والطيور والفاكهة، في خيراتها، وكذا الأطعمة المختلفة من وارداتها، وبكميات وافرة وبأسعار في متناول كل الطبقات.
وكانت المدينة تغص بالمطاعم سواء المصرية أو الأجنبية ويلاحظ أن أسعارها كانت في متناول الجميع، ومن أشهر هذه المطاعم مطعم مصطفى درويش بشارع محطة مصر وكان يقدم وجبة تتكون من أرز أو مكرونة –وطبق مشويات بالإضافة للخبز والسلطات، مع طبق فاكهة أو حلوى في نهاية الوجبة، وكان الثمن عشرون قرشا فقط.
ولمن يريد طبق مشويات فقط بالإضافة للخبز والسلاطة فكان الثمن 6 قروش فقط.
وفي شارع النبي دانيال كان يوجد مطعم شهير يدعى "بيتي كوان دي فرانس"، كان يقدم وجبات فرنسية بسعر 25 قرشا للوجبة.
وكان يوجد ببداية شارع سعد مطعم يوناني كالوبنكوس كان يقدم أطباق الأرز بالخلطة وطبق لحم بالخضار أو طبق مشويات بالإضافة للسلاطة والخبز والحلوى وكان ثمن ذلك 20 قرشا.
وكان كازينو الشاطبي الموغل في الماء يقدم وجبة خفيفة في حدود 10 – 20 قرشا.
وكانت الشواطئ حافلة بالكازينوهات والمطاعم الجميلة الرخيصة، ومشاهير الرواد في آن واحد ففي كازينو جليم كان يجتمع صفوة المجتمع المصري في الصيف.
وكان الملك فاروق يرتاد كازينو ماي فير بشاطئ ستانلي، وكان يجلس في شرفة الكازينو ليستمتع بمنظر البحر بلا حراسة، وكان في مقدور الأفراد العاديين الجلوس في نفس الكازينو وتحمل أسعاره.
وكان فندق البوريفاج محفلا آخر من محافل الاستمتاع بالإسكندرية والبحر، و كان ذا حديقة خلابة تتوسطها بركة لأسماك الزينة، وكان عدد روادها من السعداء اللذين يجدون به موطأ لقدم بهذا الفندق الذي يطل على البحر بحي الرمل.
وكانت المدينة عامرة بالقصور الفخمة والفيلات السعيدة، ذات الحدائق الغناء، والعمائر المنخفضة الارتفاع بالأحياء الهادئة سواء كانت تلك الأحياء للأثرياء أو شعبية.
وكانت أجمل أحياء المدينة موزعة في المنطقة من الأنفوشي حيث قصر رأس التين وحتى ضاحية فيكتوريا التي كان يعمرها كلية فيكتوريا، ومجموعة من القصور الساحرة في مقدمتها فيلا لابورتا، وفيلا النجمة راقية إبراهيم، والعديد من القصور الأخرى المتناثرة في ضاحية فيكتوريا بين الحدائق وترعة الخاصة الملكية.
فكان هناك الحي اليوناني، واللاتيني حيث مدن فيكتور عداه ومنشا، وقصور جوهر وسلفاجو وبيناكي، وباسيلي (كان يملك قصران أحدهما المركز الثقافي الأمريكي حاليا والآخر المتحف القومي)، قصر لوتزانو باشا (مدرسة بلقيس الحالية) فيلا نمرة، وبمحطة الرمل فيلا زغيب (مدرسة توشكى حاليا) وعمائر قرداحي والأدبر ونادي محمد علي (قصر الإبداع).
ومنطقة بحري عامرة بالمنازل الأثرية الاجتماعية القديمة التي تنبض جدرانها وأسطحها بروح الأبيض المتوسط المعروفة بالمدينة التركية.
وكانت ضفاف قناة المحمودية مترعة بالماء الخصب والهواء الطلق، وتجري فيها آناء الليل وأطراف النهار الصنادل الضخمة محملة بخيرات النيل على امتداد الوادي، وكذا قوارب البهجة والمسرة للصغار في رعاية الكبار.
وكانت تعمر الضفة الشمالية من القناة العديد من القصور والحدائق الغناء في مقدمتها حديقة أنطونيادس يتوسطها قصره المسحور، وتعد حديثة أنطونيادس من أجمل حدائق المدينة بتماثيلها الرخامية لأشخاص الأساطير اليونانية الرومانية وفي مقدمتهم أفروديت، و أبوللو، وأعلام تاريخ أوربا الحديث من بينهم كريستوفر كولومبوس وماجلان ونلسون.
وكانت شواطئ المدينة رملية ناعمة نظيفة وتخلو مياه البحر من التلوث، وهي تمتد بطول حوالي 25 كيلو مترا فيما بين قصري رأس التين والمنتزة وكانت تبلغ 22 شاطئا، ومن أجملها شواطئ الأنفوشي، حيث المياة والرمال والصخور الملهمة للفنان، و كل من مصطفى باشا ورشدي، وستانلي الخليج الذي تعلوه مدرجات من كبائن التصييف في خضر جرف صخري تظله القصور والنخيل يتوسطها قصر الأمير يوسف كمال (المتحف البحري تحت الإنشاء حاليا) وسابا باشا حيث الهدوء الرخيم والرياح المحملة برائحة البحر، وجليمونوبولو الشاطئ الذي كان جنة الأطفال والكبار ويطل عليه عبد الوهاب زمن الصيف يستروح نسيم الإسكندرية بدلا من بيروت وباريس (في هذا الزمن الذي راح) ثم السراي، والطاحونة وسيدي بشر رقم 1 وسيدي بشر رقم 2 (ميامي) حيث منتجعات وزراء مصر.
وكانت عدد دور السينما والمسرح بالمدينة في ذلك الوقت ينافس مثيله في العديد من المدن على حوض البحر المتوسط، بل يكاد يفوق عدد دور السينما مجتمعة في العالم العربي، فبدءا من منطقة بحري كانت توجد سينما عباس خلف قهوة فاروق (هدمت وتحولت إلى مول) ، وسينما التتويج بشارع السيد كريم وهي التي وردت الإشارة إليها في رباعية الإسكندرية للكاتب العالمي لورانس داريل (هدمت وتحولت إلى مول)، وفي القباري سينما الهلال بشارع المكس (هدمت وأصبحت جزء من كوبري) سينما الحرية بكرموز (هدمت وتحولت لمخزن خشب) وسينما النيل بكرموز أيضا (هدمت وتحولت لعمارة سكنية مؤلمة للنظر)، سينما ستار بمحطة مصر (تحولت لصالة لأفراح الفقراء) سينما كونكورديا بمحطة الرمل (تحولت لبرج سكني) سينما ماجيستيك (هدمت و تحولت لمبنى تجاري) سينما الهمبرا التي شاهدت أمجاد الإسكندرية في الفن والتي كانت من مفاخر المدينة وشهدت عصرها الذهبي (هدموا معظمها وتركت معلقة حتى كتابة هذه السطور) سينما لاجيتيه بالإبراهيمية وكانت متخصصة في عرض الأفلام الأمريكية بأسعار زهيدة (هدمت وتحولت إلى مول و كذا مسرح لونابارك المجاور) سينما أوديون الجميلة التي تخصصت في عرض تحف هوليوود السينمائية والتي كانت محفلا لشباب المدينة وشبابها من المثقفين (تحولت لمعرض بيع منتجات سوريا والصين ثم أغلقت تماما) وكانت سينما أمير عام 1952 حديثة النشأة في المدينة وكذا مترو.
هذه بعض من لمحات المدينة البحرية الرائعة وطبيعة الحياة بها عندما غادرها فاروق عام 1952.
أو هكذا كانت الإسكندرية في نهاية العصر الملكي، وفي صحف قادمة سوف أتناول بالحديث الأجناس التي عاشت بالمدينة وأبدعت عالما كوزموبوليتانيا، وكانت كل جهودها هي تلبية حاجات أهل المدينة وخدمتها، و خلق عالم سعيد من المصريين والأجانب من العباقرة والموهوبين من كلا الجانبين وكان البحر الأبيض شاهدا على ذلك.
تعليقات
لا يوجد تعليقات