خراب النساء

الخميس, 09 يناير 2014 12:14

بقلم: سعدي عباس العبد
  وجدتني اختلي معها في لحظة من اقسى اللحظات تعاسة .. كنت ابكي بصمت مطبق , فتلوح لعيوني عبر غشاوة من الدموع . غارقة وسط ضباب من التشوّهات .. كأنها لما تزل مغمورة بذلك الداخن المدمّى .. • كانت ممتدّة بكامل قامتها الفارعة واوجاعها واحلامها وخوفها , بكامل بدنها المؤطر بفتوق الجراح ..عيناها معلّقتان في الفراغ ..تشّعان بذلك التوق المتموج في البريق .. بريق العيون الناضحة سحرا وألقا .. العيون التي لما تزل رغم الخراب تضيء تلك اللحظات المفعمة بالقسوة والظلام . ... كان رأسها المتلفع بنسيج من القماش المدمى غاطسا في ليونة الوسادة , وشعرها الفاحم الطويل متراجعا برمته للوراء , وهاطلا على جانبيّ السرير ..السرير الناضح برائحتها الأليّفة , تلك الرائحة التي نأت بي مديات للوراء , مديات مشرعة على افق من الذكريات ..ذكريات لما تزل خضراء ريّانة طريّة , حافلة بالعنفوان والرغبات .. كم كانت شديدة الروعة والسحر والتألق بطولها الفارع الرشيق , وهي تذرع حديقة المنزل بخطواتها الناعمة , كانت تنضح حنانا وعذوبة .. حنان لا اعرف من اي المصبّات ينبع .. من اي مجرى في الروح يتدفق . كانت فيضانا عارما من الحنان والتوق والجمال , فيضان يصبّ في مجرى الروح . روحي المشدودة اليها شدا .. ومنذ تلك اللحظة المضيئة . لحظة الفيضان الذي لا يضاهى . راح الطوفان يغمرني . طوفان من الحبّ والرغبات والحنان .. كنت اصغر من انّ اخوض في فيضانها , فاتركها تجذبني وهي تطوّق عبر ذراعيها العاريتين رأسي وكتفي ضاغطة باصابعها الطويلة النابضة بالرغبة على اشد الاجزاء حميمية من بدني . فتمسك بي رعشات تزداد تدفقا بكرّ الضغط , فاتوغل في مجرى عميق من رائحتها وانفاسها . فينشأ بيننا ذلك الالتحام الحميم مجرى دافق من الاشواق نتلمّس عبره سريان اللهفة . • لا ادري كيف خرجت من ذلك الدخان بهذا الوجه المشوّه , لم استطع ملاحقة خرابها , كنت لما ازل ذاهلا , مشدودا لتلك الصدمة المريعة التي اطاحت باحلامي في مثل هذا الوقت الذي لما يزل مبكّر .. فبدأ يخامرني إحساس شديد القسوة والألم , بانها لم تعد في متناول يدي واحلامي وانها ستغيب في لحظة ما شديدة الظلام وسأبقى لوحدي اتواصل مع طيفها سنوات طويلة . • في الايام الاوّلى التي اعقبت نهوضها من على السرير سمعّتها تردّد على مسامعي وهي محاطة بظلال شحيحة تلقيها اشجار الحديقة , كلاما مخيفا لم الفه او اسمعه من قبل . كلام ينطوي على قدر من الغموض والخوف , لم اقوَ على احتماله .. الامر الذي ادى الى اضطرابها وكسا ملامحها شحوبا ضاعف من قتامة وجهها المطبوع بمسحة من التشوّهات المهولة . تشوّهات تنضح خرابا مدوّيا ! ..كان كلامها المفعم برائحة القسوة والخوف , لايزال متواصلا مع نمو عذابي في مجرى من الدهشة والرعب , لا يسنح ليّ بفرصة لألتقاط انفاسي المضطربة , فوجدتني اتطلّع الى عينيها المغرورقتين بالدموع وبتلك الالتماعات المشّعة في نظراتها .. فاجهش في بكاء لاذع متخم بالوجع والصمت ... ما زلت اتذكّر , لم تمرّ سوى ايام شحيحة على نقاهتها عندما طلبت مني الانفصال !! كانت خائفة ومتردّدة في بادىء الامر ولكن عندما وجدتني اغلق منافذ الطريق المفضية إلى الانفصال رافضا بقسوة ومرارة طلبّها , لم تتمالك نفسها فغرقت في مجرى من بكاء قاس طويل . بكاء ابتدأ ولم ينتهِ . في البداية كان نشيجها فاترا ولكن لا ادري كيف تحوّل إلى صراخ ساخط ينضح وجعا وخيبة , صراخ مفعم باللوعة كان يرتطم بجدار متماسك من الرفض الذي كنت احتمي به ..كنت اقول لها : الحياة تصبح ثقيلة لا تحتمل بدونها ..ولكنها كانت تلوذ بالصمت والدموع .. لا استطيع مواصلة الحياة من دون انّ انغمر في كلّ لحظة برائحتها . تلك الرائحة النابضة بسحر الذكريات . ذكريات حبّنا واحلامنا .. بيد إني لا ادري إلى الآن لماذا انشأت بين جسديّنا حاجزا مهولا من الجفاء والصدود لم يكن يفصلني عنها سوى هذا الحاجز الذي راحت تشيّده بتؤدة ومثابرة وعناء وبكاء ودموع وندم ويأس على طوال وامتداد اللحظات المليّئة بالصمت .. ولما يبلغ بها الحزن اشده تعود لتطلب مني وبقسوة هذه المرة ان ننفصل وانها لم تعد تقوى على احتمال لبقاء . فتتضرع اليّ بدموعها وخرابها ويأسها ان ادعها تغادر ..كنت حيال طلبها هذا اجدني خاويا عاجزا اطوي مسافات من القهر والكدر , اطوي مسافات مهولة من التعاسة إزاء طلبها المستحيل , كنت اتحاشى الخوض في طلبّها واسعى بكل ما اوتيت من تضرّعات ودموع وذكريات ان اجعلها تمسك عن التفكير بهذا الامر ..ولكنها كانت تزداد اصرارا وعنادا , فامرّر اصابعي بين خصلات شعرها المنسفح على مساحة مريعة من التشوّيه الذي يطبع ملامح وجهها ..وامسح عبر اصابع يدي الاخرى على جبينها وألثم بشفتيّ المساحات الاشد تشوّيها تاركا اثارا ولمسات من التوق والذكريات والحبّ والهمس والأنين تطبع خدّيها ثم ما لبثت ان دسّست وجهي برمّته وسط شعرها الناعم مدفوعا برغبة عارمة شديدة البراءة والنقاء في ان تتداخل ملامحي مع خرابها وتتصل بحدود ذلك النبع , مصدر حطامها , لعل امسك بنهايات تلك المشاعر المخيفة المتدفق باستمرار والناضحة يأسا وظلاما ..لعل ابدّدة سطوة الجفاء والقلق والخوف . ولكني كنت اجدها تمتلىء بصمت مخيف كأنها باتت على يقين بانها لم تعد سوى حطام . وانها لن تستطيع ان تمنحني السعادة بهذا الوجه المشوّه الذي ترتديه عنوة وقسرا وقدرا !! وانها لم تعد تلك المرأة الحسناء التي كانت تضفي على حياتي بهجة وجمالا ..وكان صمتها الطويل يبوح بكل شيء . يفصح عن ما يمور بخلدها .. كم سعيت .. كي اخرجها من مدار تلك الافكار السوداوية ولكن دون جدوى . كنت معها . دائما , بكل اشواقي واحتراقاتي ودموعي ..لكنها كانت تصرّ على دفع الامور إلى نهاياتها وعلى قدر ما يسعفها كبريائها . لا ادري لماذا كانت تتصوّر تضرّعاتي اليها وتمسكي بها محض مشاعر اشفاق لن تدوم , فسرعان ما يفيق منها المرء .. • لقد تغيّرت زوجتي كثيرا وكثيرا جدا , منذ انّ اطاحت بها تلك المركبة المفخّخة وطبعت ملامحها بذلك التشوّيه . فلم تعد تطيق وجود او سماع احد . وفي الآونة الاخيرة كفت عن الانصات اليّ , فلم اعد اسمع غير كلمة الانفصال تتردّد على الدوام على لسانها وعلى نحو لم يزدني إلا حبّا وتوقا يدفعني إلى اقصى مدى من الهيام .. كان حبّي لها اقوى من ان يبدّده تشوّيه مهما كان حجمه مادام لم ينل من روحها المفعمة بذلك الحنين النادر ..كنت من وقت لآخر اذكّرها بتلك الايام المضيئة التي ما زال سحرها المكتظ في ذاكرتي معتلقا ولن تخمد جذوته ابدا , ما دمت لا اقوى على الفكاك من توقي العجيب اليها .. • والآن وبعد مرور سنوات على فرارها او غيابها المفاجىء . لم يبق ليّ سوى الذكريات اقتات على ما تهبني من لحظات مضيئة ,.. كانت الايام الاوّلى التي اعقبت اختفائها تنؤ بالحرمان والبكاء . تضوع برائحة صدئة تشيّع فيَّ وجعا يطبع اثارا من الخراب على وجهي وانفاسي ومشاعري , ويهد من قواي المنهك اصلا ,ومن بدني الذي اصابته شيخوخة مبكّرة .. لم امسك عن التدفق بالبكاء طوال فترة غيابها .. وغالبا ما كنت اشعل ضوء الغرفة عند الهزيع الاخير من الليل , واطل عبر النافذة الى الشارع المقفر المشحون بالصمت والوحشة .. لعل اراها تطل بقامتها الفارعة ووجهها المشوّه . مبدّدة السكون الثقيل والوحشة المعتلقة جذوتها في الروح . مبدّدة الصمت المرين بوقع خطواتها الاليفة ..بقيت طوال الايام الاوّلى من مغادرتها انتظر عند النافذة , دون ان ينال مني اليأس . وحتى بعد مرور كلّ تلك السنوات ما زلت انتظر لعلها تعود او يحدث شيء ما , يبدّد ركود هذا الانتظار الثقيل / انتهت /
تعليقات
لا يوجد تعليقات