قوة البكاء

السبت, 11 يناير 2014 12:36

 
 قصة قصيرة بقلم/ سعدى عباس العبد
:
إلى امّي في محنتها الأخيرة - • كنت ما ازال طفلا لما تزوج أبي من إمرأة ثانية .. كنّا في اوّل الخريف والوقت اوّل المساء .. ولغط مستمر, يتصاعد إلى الشرفة حيث ترقد امّي اسفلها , فوق سجّادة من الصوف والغبار , تمسح على شعر اختي الصغيرة الراقدة في حجرها , متكوّرة كقوس من الخوص المتيّبس . . مرّ وقت طويل على ذلك المساء ... ولكنّي مازلت اتذكّر ذلك النواح المفعم بالشجن الذي اطلقته امّي في شحوب المساء , كأنها دخلت لتوّها إلى مأتم ! , . شعرها المحلول النافر يخفق في الريح , ومجرى من الدموع الحارة يسيل على خدودّها . كانت تبكي بقوّة , ذلك البكاء الحزين المنزوع من الداخل نزعا .. لم اكن اعلم انها تملك كلّ هذا المقدار المدهش من اللوعة والاسى , فلم ارها من قبل تبكي بهذه الحرارة والشجن . . كم كانت واضحة في لوعتها وحزنها ! .. لم ارَ احدا من المحتفين بفاجعتها !! يلتفت اليها , كان الجميع يتشفّون بحزنها , يترامقون شامتين . يتحادثون بنبرة صاخبة كما لو انهم يطلقون نباحا !! رأيت امرأة تنبح !! او هكذا كان يخيّل ليّ !! تهزء بامّي بصوت ساخر .. امّي التي بدت في تلك اللحظات الحرجة كأنها ذاهبة للحرب !! . او موشكة على تهوي في قبر حيّة .. ارى اليها من وراء عباءة خالتي المقتعدة السجّادة ذاتها قبّالة امّي , تلطم صدرها الضامر بيديّن رخيّتين خاملتيّن فاترتيّن , فالمح المرأة النابحة تضحك ملء فمّها ولا اعرف لماذا .. ؟ فما زالت اسنانها البيض تشع في ذاكرتي . كانت كلبة حقيقية !! تعوي بغنج عندما ترمق امّي بطرف عيونها الوقحة الناضحة بريقا لاذعا __ كانت اخت العروس التي سيتزوج منها ابي هذا المساء __ المح البريق يتموج في عينيّها , فينمو في داخلي خيط من الخوف يلتف على جهشّاتي الفاترة التي جعلت اطلقها بلا صوت .. فقد انكسر شيء ما في داخلي جعلني على اقوى السكوت كلّ هذا الوقت . فجريت إلى الشارع مذعورا وانا اطلق صراخا متصلا يتبدّد في الهواء .. كنت اعدو بساقيّن ضامرتين . ساقيّن من اللوعة والشقاء تحملان كتلة من البكاء والطفولة الشقّية .. كنت اجري باكيا ضائع . اجري بكل ما أوتيت من جراح وشجن . اجري بقوّة كما لم اجرِ من قبل !! ومن وراء ظهري كنت اسمع هتاف خالتي يتصاعد في الريح , يعلو في اسماعي ويخفق في قلبي , يخفق بقوّة البكاء الذي يحفر عميقا في روحي .. فتضيّق بي الشوارع وانا اجري .. فيأخذني الخوف والضيّاع المبكّر إلى اقصى الزقاق . وقبل انّ التفت , اهجس بيد تهبط برفق فوق كتفي . فاشعر كأني اقف بلا قدميّن فوق ارض لا تدور !! راسخة في ثباتها .. وكأي طفل وحيد فقد الأبوة في وقت مبكّر سيحدث ليّ كما حدث لاطفال آخرين سرقت آباؤهم نساء متمرّسات في نسج خيوط الغواية والدهاء .. .. قادتني خالتي برفق وكلما ادنو خطوة من البيت الذي بات غريبا ومخيفا , اشعر كأني على وشك السقوط في هاوية , فتنزلق قدماي واهوي برأسي الى الارض ولم اجد ما استند اليه , في محنتي سوى يد خالتي . التي بدت ليّ قصيرة وهي تلتف على رأسي كأنها تحميني من المرأة الغريبة المخيفة التي وفدت إلى بيتنا عروسا لأبي ... فاغمض عينيَّ فيتلاشى نور المساء الشحيح ولم اعد ارى غير اشباح تلوح ملامحها الغائمة في الفضاء القاتم . فرأيت امّي تخرج من عباءة الريح بلا يد تتوكأ عليها في محنتها العصيبة , تتوغل في ضباب حالك فيما كان صوتها يختنق في عاصفة من البكاء , عاصفة تهبّ او تأتي من ذكرياتها المحمولة على بساط من ريح الحبّ الذي امسى رمادا ...ذكرياتها القريبة التي لما تزل طريّة في عنفوان تألقها والتي غدت الآن محض ماض ..ماض يكتظ بالذكريات الناضحة من السرير المهجور .. السرير الذي سيغدو علامة اثرّية يشير إلى تلك المسرّات والحبّ الذي بات محض رميم وحطام والذي طالته يد امرأة غريبة , امرأة من خراب , فأحالته الى محض ذكرى ..ذكرى تنضح رائحة باتت غريبة , رائحة غريبة تضوع من السرير ومن البيت الذي ماعاد بيتها ومن الجدران التي كانت أليّفة ذات وقت ما ومن الأثاث الذي غامت ملامحه ومن تلك الايام التي امست منذ الآن محض ذكريات شاحبة ... فوجدتني ابكي بمرارة , وقبل انّ اتحسس اليد .. يد خالتي الملّتفة على رأسي , لاح لعينيَّ طيف امّي الغاطسة في مجرى من الدموع . فاجهشت في بكاء لاذع .. كانت خالتي لما تزل تتحسس رأسي بيدها الحانية الرقيقة لما لاحت في نور المساء الفاتر وجوه اترابي يبحلقون ناحيتي مذهولين , بدوا ليّ في تلك اللحظة النابضة بالغربة واللوعة , كانني اراهم من بعيد , عبر ضباب كثيف . كأني اراهم للمرة الاوّلى .. غرباء .. كأني لم اتعرّف اليهم منذ احزان مديّدة !! .. فهذه المرة الاوّلى التي اشعر بها بالخجل من نفسي ومن أبي ومن هذا الخراب الذي نزل في بيتنا على هيئة إمرأة ومن نظرات اترابي المشدوهة وهي تنغرز عميقا في ملامحي المنكمشة المتضائلة , فلم ارَ نفسي من قبل بهذا المقدار المذهل من الانكسار , حتى اني لم اجد فرصة سانحة لأخفاء خجلي .. فاجهشت مجدّدا في بكاء حار طويل . اشد يأسا من اي بكاء آخر , فبدا الزقاق الذي كان يماثل سحنتي في اغلب ملامحه !! شاحبا غريبا , او في الحقيقة انا الذي بت شاحبا غريبا .. حتى البيت الذي آوى طفولتي بات غريبا دخيلا كأني لم انمو في فضاءه الأليف ! .. رأيت احد لداتي يجري ناحيتي ويمسح الغبار العالق في شعري وملامحي وهو يردّد كلاما مفعما بالحنين والوفاء فيشاطره اترابي الاخرون . وانا مستسلم بكامل تعاستي وانكساري إلى اللاجدوى . لم اجد ما يخرجني من محنتي , فاتضائل ملتما على بدني في انكماش حزين كأنني اتلاشى او اتفتّت في هاوية ,فجعلت احدّق مضطربا إلى خالتي التي سمّرها المشهد . فلبثت تحدّق مشدوهة إلى اترابي , اللذين اصّروا على انّ اذهب معهم . غير اني لم اكن معهم كنت هناك احلّق في فضاء قاتم من الضيّاع والغربة . انقاد عنوة صوب بقاع من التيه تتقاذفني فيها الغربة والخوف ...فقد كنت اشعر بغربة لا تضاهى تحفر عميقا في روحي , غربة ملكت عليَّ حواسي , ولما ارادت خالتي ان تقودني للبيت أبيت انّ انقاد لرغبتها , وابديت استعدادا مدهشا في عدم الانصياع لتضرّاعتها , كان ثمة شعور خفّي يؤكد ليّ انّ البيت لم يعد بيتنا .. بيد انّ مجرى من لشوق راح يتدفق من اعماقي , ينسلّ خفيّا ويجرفني عبر اندفاعته المفعمة برائحة امومة نفاذة . فاجري بكامل حنيني ولهفة إلى امّي , إلى حجرتها . .كي ارتشف هناك من نبع حنانها ورّقتها وامومتها ما يبدّد احزاني ولوعتي .. هناك تتلقفني بكلتا يديّها الناضحتين حدبا ووفاء وحنينا ورائحة أليفة لا تشبه اي رائحة وتروح تمسح عبر اصابعها المفعمة بالود والوداعة على رأسي وخدودي وعيوني الدامعة .. فيتدفق من قلبي صراخ مكتوم وانا اتحسس اصابعها تصعد برفق الى عيوني وشعري وقلبي ويدي , بينما صوت انفاسها يتصاعد في هواء المساء الراكد لا يبدّده سوىاللغط المتسرّب عبر الباحة المكتظ باصوات المحتفين بعرس أبي ... • في صباح اليوم التالي , لم يكن الطريق واضحا . كأننا كنا نمشي منذ سنوات عديدة خارج البيت الذي كان بيتنا ,.. فبدا لنا في ذلك الصباح الغائم كأنه يلوح لعيوننا من بعيد . عبر مديّات موغلة في البعد ... / انتهت ../
تعليقات
لا يوجد تعليقات